مقالات

ما بعد انفجار أرشيف إبستين.. وثائق تهزّ النُّخب وسؤال التوقيت السياسي

بارعة جمعة ـ مراسلين

في لحظةٍ بدت محسوبة بدقة، أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة مرتبطة بقضية الملياردير الراحل “جيفري إبستين”، أحد أكثر الملفات الجنائية تشابكاً مع دوائر المال والسلطة في التاريخ الأمريكي الحديث.

لم يكن الحدث في حد ذاته مُفاجئاً، بقدر ما أثار توقيته وحجمه وطريقة إدارته تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت واشنطن تشهد لحظة شفافية متأخرة؟، أم إعادة توظيف سياسية لفضيحة لم تُغلق أبوابها يوماً؟!

أرشيف ثقيل… وصدمة مُتجددة

الوثائق التي كُشف عنها، بموجب قانون أُقرّ في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، تضم ملايين الصفحات، وآلاف مقاطع الفيديو، ومئات آلاف الصور، بعد تنقيحات واسعة قالت وزارة العدل إنها ضرورية لحماية الضحايا وسير التحقيقات.

وبالرغم من الحجب، أعادت هذه الدفعة إحياء شبكة العلاقات الواسعة التي نسجها “إبستين” مع شخصيات سياسية واقتصادية نافذة في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى، لتتحول القضية مجدداً إلى عنوان رئيسي في الإعلام العالمي ومنصّات التواصل الاجتماعي.

اللافت بالأمر.. أن الصدمة هذه المرة لم تكن في وجود الأسماء بحد ذاتها، بل في حجم الأرشيف وطريقة ضخه دفعة واحدة، بما جعل المتابعين أمام سيل معلومات يصعب الإحاطة به، وأعاد طرح سؤال بقي معلقاً منذ سنوات: لماذا الآن؟

تحت المجهر… توقيت يُربك واشنطن

تباينت التأويلات والتحليلات داخل الولايات المتحدة الأميركية حول دلالة التوقيت، وبينما يرى فريق أن ما جرى هو نتيجة مباشرة لضغوط سياسية وتشريعية متراكمة داخل الكونغرس الأميركي، خاصة بعد إقرار “قانون الشفافية”، في سياق تصاعد الغضب الشعبي من الإفلات من المحاسبة في قضايا الاستغلال الجنسي المرتبطة بالنخب.

في المقابل… يشكك آخرون في براءة التوقيت، معتبرين أن الإفراج الكثيف عن الوثائق في لحظة سياسية حساسة يحمل مؤشرات على حسابات أعمق.

ويعود هذا الرأي إلى أن نشر الأرشيف دفعة واحدة، وقبيل عطلة نهاية الأسبوع، يندرج ضمن أسلوب معروف لإرباك التغطية الإعلامية وتحويل التدقيق المنهجي إلى ضجيج عام، حيث تتساوى الحقائق مع التكهنات.

وتعزز هذه الشكوك مع طرح تساؤلات في الفضاء العام حول ما إذا كانت الفضيحة تُستخدم لصرف الانتباه عن ملفات داخلية أخرى محرجة، أو حتى عن تطورات دولية كبرى تُحضر بعيداً عن الأضواء، خصوصاً في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط.

اختبار الحقيقة… العدالة وحدود القانون

قانونياً، يبقى المسار بالغ التعقيد، حيث أن وفاة “إبستين” في زنزانته عام 2019 أنهت الدعوى الجنائية بحقه، لكنها لم تُغلق الباب نظرياً أمام ملاحقة شركائه المحتملين، غير أن هذه الإمكانية تصطدم بعقبات جوهرية، أبرزها: طبيعة الدليل المطلوب في القانون الجنائي الأمريكي.

كما أن الأسماء الواردة في الوثائق، أو العلاقات الاجتماعية، أو الظهور في سجلات الطيران، لا تكفي وحدها للإدانة، والمطلوب اليوم هو أدلة تثبت المشاركة المباشرة أو التواطؤ أو العلم بالجريمة مع تقديم مساعدة فعلية.

الكثير مما كُشف حتى الآن، يبقى في نطاق الشبهات السياسية والإعلامية، لا في خانة الإثبات القضائي، وفق خبراء قانونيين.

إلا أن ما يزيد المشهد تعقيداً عامل التقادم، إلى جانب اتفاقات الملاحقة السابقة التي حصل عليها “إبستين” في العقد الأول من الألفية، والتي خلقت مناطق قانونية رمادية تجعل من الصعب إعادة فتح ملفات قديمة، ما لم تظهر أدلة جديدة ومستقلة تماماً.

عابرة للقارّات… ارتدادات سياسية وأخلاقية

داخلياً… أعادت الوثائق فتح جرح الثقة بين المجتمع الأميركي ومؤسساته، ورسخت لدى شريحة واسعة من الرأي العام قناعة بأن العدالة قد تكون انتقائية حين يتعلق الأمر بأصحاب النفوذ… هذا الشعور مرشح للاستمرار، وربما التصاعد، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

أما التداعيات الخارجية، لا تقل خطورة عن الداخلية، فالقضية تُستخدم على نطاق واسع لتقويض الخطاب الأميركي حول حقوق الإنسان، عبر الإشارة إلى فجوة واضحة بين الشعارات والممارسة، حين تعجز الدولة عن محاسبة نخبها في قضية بهذا الحجم والرمزية.

أسئلة تتجاوز الأرشيف… ما الذي بعد وثائق إبستين؟!

ما بعد نشر أرشيف “إبستين” لا يبدو حاسماً بقدر ما هو مفتوح على احتمالات متناقضة، فمن جهة، يصعب الحديث عن موجة إدانة جنائية واسعة في ظل القيود القانونية الصارمة، ومن جهة أخرى، قد تتحول القضية إلى معارك قضائية مدنية طويلة، وإلى عبء سياسي وأخلاقي دائم على الطبقة الحاكمة.

أما دلالة التوقيت، ستبقى محط جدل وتساؤلات.. هل هو انتصار متأخر لمبدأ الشفافية!! أم إدارة محسوبة لفضيحة باتت أكبر من أن تُدفن؟!

في الحالتين، يبدو أن وثائق إبستين لم تُغلق الملف، بل نقلته إلى مرحلة أكثر حساسية، حيث تختبر الديمقراطية الأميركية نفسها أمام سؤال جوهري.. هل تستطيع محاسبة نخبها، أم تكتفي بكشف الأرشيف وترك الحقيقة معلّقة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews