هل أنصف تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المرأة؟

زينب خضير – مراسلين
بغداد – في الزقاق الضيق من ذاكرة النساء العراقيات، تقف لافتة صدئة مكتوب عليها “قانون 188″، لا أحد يراها بوضوح، لكن الكل يمر تحت ظلها؛ ظلّ لا يرحم، ظلّ ثقيل يُرمى على رؤوس الأمهات، الأرامل، والفتيات اللواتي تم اقتيادهن إلى قاعات المحكمة، مثقلاتٍ بتوقعاتٍ لا تُبقي لهن مساحة للاعتراض،لا لشيء سوى لأنهن لم يرضين بالدور الذي خيط لهن على مقاس الطاعة.
قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، الذي جاء إلى الوجود مع هتاف الثورة، لم يكن ثوريًا بما يكفي حين تعلق الأمر بجسد المرأة، بحريتها، أو حتى بطفولتها. صدر هذا القانون كما لو أنه يُراد له أن يجمّل وجه الدولة، لكنه لم يغسل اليد التي وقّعت على زواج بنت في الخامسة عشرة، ولم يرفع صوته ليسمع صرخات العنف الأسري الذي تتعرض له النساء والأطفال.
لقد أُعلن هذا القانون في زمن عبد الكريم قاسم، بوصفه “فتحًا اجتماعيًا”، محاولةً لتوحيد الأحوال الشخصية في بلدٍ يشهد تنوع الطوائف والمذاهب. كان خطوة أولى نحو تقنين الحياة اليومية، وتقليص سلطة رجال الدين في البيوت والمحاكم. لكنه ظلّ يحمل بذور التناقض، لأنه تأسس على تفسيرات فقهية متباينة، تُراوح بين المالكي والجعفري والحنفي، ولم ينبثق من رؤية مدنية علمانية كاملة.
محاولات التعديل وتهديد الحقوق المستمر
منذ عام 2014، بدأت محاولات متكررة لتعديل قانون 188، لا بهدف تطويره أو منحه عدالة أكبر، بل بهدف تفريغه من محتواه الوطني، وتحويله إلى قوانين طائفية مجزأة تخضع لسلطة المرجعيات الدينية، لا لسلطة الدولة المدنية.
كان أبرز تلك المحاولات ما تقدمت به لجنة المرأة والأسرة والطفولة في مجلس النواب العراقي، بالتنسيق مع كتل الإسلام السياسي، حيث طُرحت مشاريع تحت مسميات “حماية الأسرة” و”إصلاح قانون الأحوال الشخصية”، لكنها تضمنت بنودًا كارثية:
تشريع زواج القاصرات ابتداءً من سن 9 أو 12 عامًا، “حسب البلوغ الشرعي”.
إلغاء الحضانة عن الأم تلقائيًا عند زواجها مرة ثانية.
منح الزوج سلطة مطلقة على الزوجة، في التنقل، والسفر، والعلاقة الحميمة.
إحالة قضايا الطلاق والنفقة والحضانة إلى محاكم دينية بدل المحاكم المدنية.
وكان أخطر هذه المشاريع “قانون الأحوال الشخصية الجعفري” الذي قُدِّم رسميًا عام 2014 من قبل وزارة العدل العراقية، ولاقى إدانات واسعة من المجتمع الدولي، ووصِف بأنه يُشرعن الاغتصاب الزوجي، ويضرب حقوق الطفولة عرض الحائط.
تعديلات مستمرة وأثرها اليومي
لم تَعد المحاولات مجرد مقترحات تُسرب للصحف، ولا صفقات تدور في الكواليس. بعض ما أرادوه من تعديلات، تحقق بالفعل.
تحقق لا بصيغة الإعلان، بل عبر التراخي، الصمت، والقبول التدريجي.
تحقق حين أصبحت المرأة مطالبةً بإثبات صلاحيتها كأم بعد الطلاق، بينما يُفترض بالأب أنه “الولي الطبيعي”.
تحقق حين فُسّرت “مصلحة الطفل” في المحاكم على أنها البقاء مع الأب إذا ما تزوجت الأم ثانية، كأن الأمومة عقد بشروط أخلاقية تُراقب من الخارج.
في السنوات الأخيرة، أُعيد طرح تعديل المادة 57 مراتٍ عديدة. هذا التعديل الذي يسعى لنزع الحضانة من النساء بمجرد زواجهن من رجل آخر، أو انتقالهن لمدينة جديدة، يُختصر بـ”المصلحة”، لكنه في الحقيقة يُخفي رؤية قاسية: أن المرأة لا يُوثق بها، حتى مع أطفالها.
تعديلات أخرى، لا تقل خزيًا، تسللت إلى النصوص أو تسكن في نوايا مشرّعين لا يُخفون ولاءهم للمقدس الأبوي:
تغاضي مستمر عن تزويج القاصرات، بل وتسهيل الإجراء أمام القاضي الشرعي.
تساهل في تعدد الزوجات، وتحويل “الإذن القضائي” إلى ختم صوري لا يُراجع.
منع المرأة من السفر بأطفالها دون إذن الزوج، حتى وإن كانت حاضنة.
وأخيرًا، استمرار التمييز في مسائل الإرث والوصاية والشهادة، في رؤية شرعية تُعاملها على أنها نصف إنسان.
غياب المرأة عن المجال العام
أن تُمنع المرأة من الحضانة، من الميراث، من أن تُعامَل كإنسان كامل، ليست حادثة قانونية أو خطأ في الصياغة… بل امتداد لحرب طويلة ضد النساء.
يُشوَّه وجودها، تُقزَّم خطواتها، ويُحوَّل ظهورها في الفضاء العام إلى “تهديد”.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، تعتاد على الغياب.
تعتاد أن يُعاد تعريف المجال العام بما يُقصيها ضمنًا، وأن تُصاغ القوانين بضمير الغائب المذكر، وأن لا يُصغى لصوت امرأةٍ إلا إذا جاء خافتًا، أو اعتذر مسبقًا عن كونه أنثويًا.



