ثقافة وفن

الفنانة أمانة والي: المسرح السوري بين المجد والمخاض

محمد الحسين – حوار خاص – مراسلين

دمشق – حين نتحدث عن المرحلة الذهبية في تاريخ المسرح السوري تعود بنا الذاكرة إلى زمن لم تكن فيه خشبة المسرح مجرد خشبة وأضواء، بل منبرًا لصوت المجتمع الباحث عن ذاته، وساحة لفنانين صارعوا من أجل تحقيق حلمهم ونشر رسالتهم، في المجتمعات العربية والعالمية وكانت محطة الإنطلاقة من خشبة المسرح الدمشقي.

أسباب نجاح وتألّق المسرح السوري آنذاك..

في لقاء صحفي خاص مع الفنانة السورية أمانة والي تقول لشبكة مراسلين: “أرى بأن المسرح السوري عرف زمنه الذهبي حين كان الشغف أقوى من العوائق، والإصرار أكبر من الإمكانات”، حديثها يعيدنا إلى زمن كان المسرح فيه مشروع حياة، وكلمة صادقة تحمل أمانة الرسالة ووجع المجتمع وهموم الناس، لا وسيلة للظهور.

وتتابع الفنانة السورية”والي”:
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان المسرح القومي والعسكري في أوج عطائهما وكانا يشكّلان الواجهة الثقافية لسوريا. ممثلون يضحّون بعلاقاتهم الأسرية والاجتماعية لأنهم اختاروا مهنة كانت يومها غير مقبولة، خصوصًا في المجتمع السوري.

وتضيف”والي”،ومع ذلك، صعدوا إلى الخشبة وكان خيارهم نوعًا من المغامرة منحهم التحدي، فخرجت الأعمال من رحم الشغف والتضحية. وكانوا يصنعون الفن من القلب. كان المسرح في تلك الفترة مقاومة ثقافية، وصورة لبلد يؤمن بأن ثقافة الفن المسرحي لا تنفصل عن الواقع.

لكن ما الذي ميّز المسرحيين في ذاك الزمن؟

تقول”والي” لشبكة “مراسلين” : “إن تفرّغ الفنانين للعمل المسرحي، ووجود ميزانية تسمح بالإنتاج الجاد رغم محدوديتها، وتعدد النصوص العالمية المقتبسة بعناية، إضافة إلى التعاون بين المسرحين القومي والعسكري اللذين أنتجا نضجًا فنيًّا لافتًا. أما الجمهور فكان يعيش حالة أكتشاف للمسرح، ما ساهم في خلق علاقة تقوم على الفهم والتقبّل للممثل والفن المسرحي، بعد زمن من الرفض.

وتصف “والي” تلك الحقبة بأنها روعة البدايات، فحينها كانت البلاد تعيش نهضة ثقافية بفضل أسماء كبيرة مثل سعد الله ونّوس وفواز الساجر ودريد لحّام، وكان العاملون في المسرح أكاديمييون يؤمنون برسالتهم. وتباعًا لذلك، تشكّل تيار ثقافي متكامل جعل من مسارح سوريا من الجنوب إلى الشمال منابر فكرية وفنية حقيقية.

واقع المسرح في سوريا اليوم

تقول النجمة السورية”والي” لشبكة مراسلين: “إن المسرح السوري يعيش “مرحلة المخاض”. هذه الكلمة تختصر المشهد كله. فالوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي متداخل في حالة عدم استقرار، لدرجة يصعب فيها فصل الثقافة عن السياسة، أو الفن عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية. مازالت صورة الواقع ضبابية غير واضحة. فحين دخلت سوريا في مرحلة جديدة من تاريخها بقي حال المسرح كحال كل شيئ في البلاد ينتظر ولادة جديدة لم تتشكل بعد.

ولا يمكن إنكار أن الأزمة الاقتصادية ضربت جذور العمل المسرحي، من النص إلى الجمهور. فغياب التمويل جعل كثيرًا من الممثلين يتركون الخشبة ويتجهون نحو التلفزيون، بحثًا عن دخل يضمن لهم العيش. وفي هذا السياق تقول “والي”: “بصراحة لا يمكن أن أعتاش من المسرح، لكنّني أعمل فيه لأنني أحبه، وشغفي يعني الكثير بالنسبة لي، ولا أفكر في الأجر المادي لأنه لا يغطّي تكلفة وسائل النقل حتى”. إنها شهادة تختصر مأساة جيل يرى الفن رسالة لا مهنة.

أزمة النصوص.. وتحديات المؤلّفين المسرحيين

تبدو المأساة الاقتصادية ليست السبب الوحيد، إذ هناك غياب واضح للنصوص السورية الأصيلة التي تعبّر عن الواقع السوري. معظم ما يُقدّم اليوم، بحسب الفنانة، “أمانة والي”، هو إعادة لنصوص عالمية مترجمة أو معرّبة، لأن كتّاب المسرح ابتعدوا بدورهم بسبب ضعف الأجور وغياب الحوافز والإمكانيات. لقد هُجرت الكتابة المسرحية كما هُجر المسرح نفسه، وتحوّل الخشبة إلى مساحة للوفاء أكثر مما هي ساحة احتراف.

التمويل قرار سياسي والمسرح وجه ثقافي

وترى الفنانة “والي”، أن مسؤولية النهوض بالمسرح لا يمكن أن تُحمّل للفنانين وحدهم، بل هي “قرار سياسي” أولًا. فالمسرح في نهاية المطاف، وجه ثقافي للدولة، وسفيرها أمام العالم. من دون ميزانية حقيقية ودعم حكومي واضح، يبقى كل جهد فردي محكومًا بالانطفاء. كما تشير إلى أن المسرح السوري يعاني من نقص في الإمكانيات التقنية. فمثلاً التقنيات المتطورة التي تشهدها دول أخرى تكشف حجم الهوة. وتؤكد “والي” أن الدعم المالي ليس ترفًا، بل شرطًا وجوديًّا لأي نهضة مسرحية أو فنية مقبلة.

وتضيف “والي” لشبكة “مراسلين” :
المسرح لا يمكن أن يعيش على التبرعات أو المبادرات الفردية. لا بد من خطة وطنية، لأن الثقافة تعتبر جزءًا من الأمن المعنوي للبلد، لا هامشًا تجميليًا.

ورغم هذا السواد، تشيد “والي” بتجارب المعهد العالي للفنون المسرحية، وبالمبادرات التي أطلقتها وزارة الثقافة لدعم الشباب وتنشيط الحركة المسرحية في سوريا. وترى في ذلك بذورًا صغيرة “لكنها واعدة”، وتؤمن بأن الإصرار على العمل، حتى في الظروف الصعبة، هو بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة الثقافية،
وفي هذا الإيمان ما يشبه الرهان على المستقبل، لأن “المخاض”، كما تسميه، لا بد أن ينتهي بولادة.

الرقابة ليست المشكلة الكبرى في صناعة العمل المسرحي

أما عن الرقابة، تبدو الفنانة أكثر حيادًا، فهي لا تتحدث عن تضييق صريح، بل عن واقع غير مستقر يجعل الحكم سابقًا لأوانه. إذ تقول: “إن الرقابة ليست المشكلة الكبرى، بل الخوف العام، وتردد الجهات المنتجة، وانكماش السوق الثقافية. وترى أن المسرح لا يُخنق بقرار رسمي بقدر ما يختنق بإهمال بطيء.

مستقبل المسرح في ظل التغييرات التي تشهدها سوريا

تقول”والي” لشبكة “مراسلين” : “إذا تحسّن الظرف السياسي، تباعًا الاقتصادي والاجتماعي، أرى بأن سوريا ستشهد تطورات غير مسبوقة بتاريخها بكل المجالات، ومن ضمنها الثقافة والفن السوري سيعيش نقلة نوعية ونهضة جديدة بتاريخ المسرح السوري”.

المسرح حيّ يستحيل اندثاره

تتحدث الفنانة “والي” بنبرة مفعمة بالأمل: “المسرح لن يموت”.

في زمن الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا، لا تزال تؤمن أن الخشبة تملك سحرها الخاص، وأنه لا فنّ يلغي فنًّا آخر. التكنولوجيا ليست تهديدًا بل وسيلة لتطوير أدوات المسرح، فالمسرح الذي وُلد من رحم الكنيسة قبل آلاف السنين، ورافق الإنسان منذ الحضارات القديمة، لن يندثر اليوم أمام شاشة.

كيف يستعيد المسرح السوري ألقه؟

توضّح الفنانة “والي” لشبكة “مراسلين” : “لكي يستعيد المسرح السوري ألقه، لا بد من توفر شروط واقعية، ميزانية كافية، أدوات وتقنيات حديثة، كوادر بشرية مؤهلة، وإرادة ثقافية حقيقية. هذه العوامل، ليست ترفًا تنظيريًا، بل خريطة طريق لأي نهضة ثقافية. وإعادة الاعتبار للمسرح ليست مهمة وزارة الثقافة وحدها، بل مسؤولية جماعية تشمل الإعلام، والمجتمع، والقطاع الخاص، والحكومة على حد سواء”.

من هنا، يبدو المشهد المسرحي السوري اليوم أشبه بمسرحية طويلة بلا نهاية. الممثلون ما زالوا على الخشبة، لكن الستار لم يُرفع تمامًا. خلف الكواليس، هناك من ينتظر وضوح المشهد السياسي والاقتصادي كي يعود الجمهور إلى القاعة.

وكما في المسرح، كل مشهد قاتم يحتاج إلى ضوء، وذلك الضوء كما تراه الفنانة السورية أمانة والي سيأتي حين تتصالح البلاد مع نفسها، وحين يُعاد الاعتبار للثقافة بوصفها هوية وطنية لا بندًا في الموازنة.

ختاماً، قد يكون المسرح السوري فقد كثيرًا من بريقه، لكنه لم يفقد جوهره. فما زال المسرح يعيش في ذاكرة من أحبّه، وفي شغف من لم يغادروه رغم الألم. وفي بلد يمرّ بـ”مرحلة المخاض”، كما تقول الفنانة “والي”، يبقى المسرح هو الرحم الذي يولد منه الأمل.

خاص - مراسلين

شبكة مراسلين هي منصة إخبارية تهتم بالشأن الدولي والعربي وتنشر أخبار السياسة والرياضة والاقتصاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews