
بقلم: المعمارية الاستشارية لونا أحمد لؤي رجب – معاون وزير الثقافة السوري لشؤون التراث والآثار
خبيرة وطنية ودولية في مجال التراث الثقافي وإعادة الإعمار
التراث: أكثر من ماضٍ .. هويةٌ ومستقبل
لا يمكن النظر إلى التراث الثقافي بوصفه إرثاً من الماضي فحسب، بل هو ذاكرة حيّة تشكّل جوهر الهوية الوطنية، وأحد أهم عناصر التماسك المجتمعي، وأداة فاعلة في بناء مستقبل مستدام، فالتراث، المادي منه وغير المادي، هو الحامل التاريخي للحضارة، والوعاء الذي انتقلت عبره القيم والثقافات والمعارف من جيل إلى آخر، وهو ما يجعل حمايته مسؤولية وطنية وإنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
التراث الثقافي والهوية الوطنية
في الحالة السورية، يتجلّى التراث الثقافي بوصفه نتاجاً لتراكم حضاري غني، انصهرت فيه حضارات متعاقبة، من دون أن يُختزل في هوية عرقية أو دينية أو سياسية بعينها.
هذا التراكم جعل من التراث عنصرًا جامعًا للسوريين، ومرتكزاً أساسياً لوحدتهم الوطنية، إذ أثبتت التجربة أن السوريين، على اختلاف انتماءاتهم، يجتمعون حول حماية إرثهم الثقافي بوصفه جزءاً لا يتجزأ من كرامتهم وهويتهم الجماعية.
أثر الحرب على التراث الثقافي
تعرّض التراث الثقافي السوري خلال سنوات الحرب لأضرار جسيمة، شملت تخريباً ممنهجاً للمواقع الأثرية، وتدميراً للنسيج العمراني التاريخي، إضافة إلى سرقة وتهريب الآثار.
هذه الأضرار لم تكن مادية فحسب، بل رافقتها آثار إنسانية واجتماعية عميقة، نتيجة النزوح، والتغيرات الديمغرافية، والضغوط المعيشية التي انعكست سلباً على المدن التاريخية والمجتمعات المحيطة بها.

تحديات ما بعد الحرب: خطر الإهمال والتشويه
إن أخطر ما يواجه التراث في مرحلة ما بعد الحرب ليس فقط حجم الدمار، بل خطر التعامل العشوائي معه، سواء عبر ترميم غير مدروس، أو توظيف استثماري يفتقر إلى الضوابط العلمية، أو إهمال دوره في التخطيط التنموي.
استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى فقدان القيمة التاريخية للأثر، وتشويه المدن القديمة، وإقصاء المجتمعات المحلية عن دورها الطبيعي في حماية تراثها.

رؤية مستقبلية: التراث كأداة تنموية مستدامة
تقوم الرؤية المستقبلية لقطاع التراث الثقافي في سورية على تحويله إلى رافعة أساسية من روافع التنمية المستدامة، من خلال ربطه بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وجعله عنصرًا فاعلاً في دعم الدخل الوطني، ولا سيما عبر السياحة الثقافية ، فالتراث، حين يُدار بطريقة علمية وتشاركية، قادر على خلق فرص عمل، وتحفيز الاستثمارات المحلية، وتعزيز الفخر المجتمعي بالهوية الوطنية.
الاستراتيجية الوطنية للارتقاء بالتراث الثقافي: من الرؤية إلى السياسة العامة
في هذا الإطار، بدأتُ العمل منذ سبعة أشهر على تحضير الاستراتيجية الوطنية للارتقاء بالتراث الثقافي، وهي استراتيجية شاملة ستؤطر كل هذه المكونات الفاعلة والمحتواة ضمن التراث الثقافي، بهدف وضع سياسة سورية حكومية واضحة تقونن أسلوب التعامل مع تراثنا الثقافي السوري من قبل مختلف الجهات الحكومية.
وسيكون تحضير هذه الاستراتيجية عملية تشاركية، تجمع الخبراء السوريين في الداخل والمغترب، إلى جانب الجمعيات الأهلية والمجتمع المحلي، بما يضمن مقاربة وطنية جامعة، واقعية، ومستدامة.

من الحماية إلى التمكين: دور المجتمع والدولة
لا يمكن تحقيق هذه الرؤية دون سياسة وطنية واضحة تقوم على حماية التراث، وتطوير التشريعات الناظمة له، وتعزيز الشراكة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع الأهلي والقطاع الخاص.
كما أن إشراك المجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع الأثرية في إدارتها وحمايتها يشكّل حجر الأساس لضمان استدامتها، ويحوّل المواطن من متلقٍ إلى شريك فعلي في صون التراث.

التراث… مدخل إلى التعافي الوطني
إن حماية التراث الثقافي السوري ليست ترفاً ثقافياً، بل مدخلاً أساسياً للتعافي الوطني، وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان، وترسيخ الهوية الجامعة بعد سنوات الحرب.
فالتراث، بما يحمله من رمزية وذاكرة مشتركة، قادر على أن يكون جسراً نحو المستقبل، إذا ما أُحسن استثماره ضمن رؤية تنموية شاملة، تضع الإنسان في قلب العملية الثقافية والتنموية معًا.







