ثقافة وفن

“الحلو مر” السوداني: المشروب الرمضاني الذي يجمع بين الحلاوة والمرارة

الحلو مر أو "الأبري": ملك المشروبات الرمضانية في السودان

أروى بابكر – مراسلين

يُعدّ الأبري، أو ما يعرف بـ”الحلو مر”، واحدًا من المشروبات الرمضانية التقليدية التي لا تزال راسخة في تراث الشعب السوداني. فهو مشروب يجمع بين الحلاوة والمرارة، ومن هنا جاءت تسميته بـ”الحلو مر”. ويُعتبر أيضًا من أعظم ابتكارات السودانيين، ولا تخلو الموائد الرمضانية في السودان منه، إذ يُروّي عطش الصائمين.

وعند سؤال إحدى السودانيات من قبل “مراسلين” عن طريقة صناعة الحلو مر، قالت إن له تركيبة ثقيلة القوام، ويحتوي على مكونات عديدة إلى جانب المنكهات، وهو خلطة سودانية خالصة تضفي مذاقًا مميزًا يعرفه السودانيون أينما وجدوه. ومع نهايات شهر رجب ودخول شهر شعبان، تتشابك روائح الحلو مر في معظم ولايات السودان، حيث تتم صناعة المشروب بأيدي نسائية خالصة.

صناعة مشروب محمص حلو

وصف المؤرخ اليوناني هيرودوت، قبل نحو 2300 سنة، أهل مروي (النوبة) بأنهم يزرعون الذرة ثم يحمصونها ويصنعون منها مشروبًا حلواً، مشيرًا بذلك إلى اهتمامهم بالزراعة وإنتاج المشروبات.

مكتشفة الحلو مر السودانية: آمنة عبد الرزاق

حسب دار الوثائق السودانية، حدثت قصة اكتشاف الأبري قبل أكثر من 162 سنة، على يد امرأة تُدعى آمنة عبد الرزاق من بربر شمال السودان.
ويُروى أنها كانت تحتفظ بجوالات من الذرة داخل مخزن لها، وعندما قامت بتفقدها وجدت أن الماء قد وصل إليها بسبب الأمطار التي تسربت من سقف المخزن، ما أدى إلى إنبات الذرة. فقامت بتجفيفها وطحنها، وأضافت إليها بعض البهارات والتوابل، ليصل الطعم إلى ما هو معروف اليوم. وعلى الرغم من شيوع هذه القصة، يرى البعض أن تاريخ الأبري أقدم من ذلك بكثير.


المرحلة الأولى: الإنبات
يتم إحضار كمية ليست بالقليلة من الذرة الخالصة، وفي نهر النيل يُعرف نوع خاص من الذرة باسم “عيش العتمور”، وهو من أجود أنواع الذرة التي تنمو وحدها في مناطق المطر. يتم فردها على جوالات من القماش الخشن (الخيش)، ورشها بالماء لمدة تتراوح بين 6 إلى 7 أيام خلال ليالي الشتاء الباردة. أما في فصل الصيف فلا تستغرق أكثر من 3 إلى 4 أيام، حتى تصل إلى مرحلة الإنبات، حيث تتشابك وتصبح كتلة واحدة تعرف باسم “الزريعة”.
بعد ذلك تُفك التشابكات بالعيد (أداة تشبه العصا)، وتُوضع تحت أشعة الشمس لتجف تمامًا لمدة تتراوح بين 6 و7 أيام، ثم تُجمع في جوال واحد، وتُكرر العملية مع كمية جديدة من الذرة.

الكوجان: عجن المكونات مع بعضها

بعد تجفيف الزريعة والذرة، يتم طحنها في طاحونة المحاصيل لتصبح طحينًا جاهزًا. ثم تُضاف إليه كمية من التوابل والمنكهات ليكتمل الطعم المميز لهذا المشروب الرمضاني، مثل: العرديب، الكركدي، الزنجبيل، القرفة، الحلبة وغيرها. يُعرف عجن الطحين المزروع مع طحين الذرة والتوابل على النار باسم “الكوجان”، حيث تُصبح العجينة متماسكة وتُسمى “العصيدة”. بعد ذلك تُوضع العصيدة في إناء ضخم، وتُحل بماء منقوع بالحلبة وبعض التوابل، لتتحول إلى عجينة سائلة يسهل فردها.

العواسة: صناعة المشروب النهائي

المرحلة الأخيرة تُعرف محليًا بـ”العواسة”، وهي عملية شاقة ومعقدة تتطلب الصبر والتحمل، إذ يتم التعامل مع لهب النيران المشتعلة. في قرى نهر النيل، لا تتم العواسة إلا باستخدام عيدان الحطب الصلب لحدة لهبها وسرعة اشتعالها.
كما تحتاج العواسة إلى عدة أيادي عاملة، لذلك تدعو سيدة المنزل عددًا من السيدات لمساعدتها، حيث تهتم بإكرامهن من خلال إعداد الإفطار والشاي والقهوة، وتُختتم الجلسة بكؤوس مليئة من الحلو مر.
تُؤخذ أولى “الطرقات” الطرق: هي حبات الذرة المطحونة أو أجزاء العجينة) وتُنقع في إناء مليء بالماء، ثم يُصفى المنقوع ويُضاف إليه السكر والثلج.

أمجد أبو عرفة

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews