الدراما اليمنية.. بين موسمية العرض وتنامي التجربة الإنتاجية

أمل وحيش- خاص مراسلين
شهدت الدراما اليمنية في السنوات الأخيرة تطورًا لافتًا في مستوى الإنتاج والأداء، مدفوعة بالانفتاح على التقنيات التكنولوجية الحديثة، إلى جانب تنامي الوعي بأهمية الدراما ودورها في التوعية والترفيه. كما أسهم ظهور مخرجين جدد، وتنافس القنوات الحكومية والخاصة، في تقديم أعمال درامية متنوعة، رغم انقسام البلد وتباين الآراء وتعقيدات الأوضاع السياسية والاجتماعية والمعيشية، لتبقى الدراما متنفسًا للناس، خاصة الأعمال الكوميدية وتلك التي تلامس قضايا الواقع اليومي.
تحديات تواجه صناعة الدراما اليمنية

ياسر الظاهري – مخرج مسلسل الضايعة
يقتصر إنتاج الأعمال الدرامية اليمنية في الغالب على شهر رمضان، ويعود ذلك إلى عدة عوامل جعلت من هذا الشهر الموسم الأنسب للإنتاج الدرامي، منها العوامل المادية؛ إذ تتاح خلاله فرص أكبر لمشاركة التجار ورجال الأعمال في رعاية المسلسلات نظراً لارتفاع نسب المشاهدة.
ومن أهم التحديات التي تواجه الدراما افتقار السوق اليمنية إلى كتّاب السيناريو، إذ لا يكاد عددهم يُذكر، وهو ما يستلزم وقتاً طويلًا للتحضير لأي عمل درامي. وفي هذا السياق، يؤكد المخرج ياسر الظاهري، مخرج مسلسل «الضايعة» الذي ينافس في السباق الرمضاني 2026، في حديثه لشبكة «مراسلين»، أن أبرز الصعوبات التي تعيق الإنتاج الدرامي تتمثل في قلة كتّاب السيناريو المتمكنين، إذ إن الموجودين عددهم محدود جدًا. ويرى أن كتابة السيناريو تحتاج إلى تجربة مستمرة حتى يتمكن الكاتب من معرفة مكامن الخطأ وتلافيها.
وأكد الظاهري أن الدراما اليمنية تحسنت بشكل كبير في الخمس السنوات الأخيرة، مع ضرورة التركيز على أهمية التأهيل والتدريب في كافة المجالات التي لها علاقة بالإنتاج الدرامي، وفي مقدمتها كتابة السيناريو، وعقد ورش عمل قبل تنفيذ أي عمل درامي لضمان جودة العمل. كما ركّز على أهمية تأهيل وتدريب العاملين في مجال الدراما لمواكبة التطور الحاصل، خاصة في الجوانب التقنية.
وعن عدم وصول الأعمال الدرامية اليمنية إلى الخارج ومنافستها عربيًا، يقول الظاهري إن السبب يعود إلى طبيعة الهدف من الإنتاج، إذ إن المواضيع التي تناقشها المسلسلات اليمنية غالبًا ما تكون محلية بحتة، وعلى الرغم من جودة وقوة معظمها، إلا أنها ما تزال ضمن الإطار المحلي. وأكد أن الدراما اليمنية قادرة على المنافسة عربيًا في حال ركّزت على هدف الخروج إلى الساحة العربية.
وقال الظاهري إن مسلسل «الضايعة» يُنفَّذ بكادر يمني خالص، يضم شبابًا يمنيين، منهم من يعملون خارج اليمن ولديهم خبرة وفهم للتقنيات الحديثة، ووعد الجمهور بعمل ممتع ومختلف. وكان الظاهري قد أنتج العام الماضي وشارك في إخراج مسلسل «دُرّة» الذي عُرض على قناة المهرية، ومسلسل «ممر آمن» الذي عُرض قبل عامين على قناة يمن شباب.
كسر طوق الاحتكار

أسامة الصالحي مدير الدراما والبرامج في قناة يمن شباب والفنان نبيل الآنسي من كواليس مسلسل “ملوك اليمن”
لم يعد الإنتاج الدرامي اليمني كما كان في السابق، فقد ظل لسنوات حكرًا على القناة الرسمية التي فُرضت على المشاهد قسرًا لغياب البدائل. ومع ظهور القنوات الخاصة، كُسر طوق هذا الاحتكار، ومنحت المشاهد حرية الاختيار، مما أحدث طفرة في الدراما اليمنية وخلق منافسة محتدمة بين الوسائل الإعلامية الخاصة من جهة، وبينها وبين القنوات الحكومية التي تراجع توهجها الدرامي مؤخرًا لصالح التركيز على الملفات السياسية.
وفي هذا السياق، يؤكد أسامة الصالحي، مدير إدارة البرامج والدراما في قناة “يمن شباب”، في حديثه لشبكة “مراسلين”، أن تعدد المنصات التلفزيونية أحدث نقلة نوعية في عجلة الإنتاج. ويرى الصالحي أن غزارة الإنتاج ترتبط بتحسن الجودة عامًا بعد آخر، ويعود ذلك برأيه إلى الخبرات المتراكمة التي اكتسبتها الكوادر العاملة في البنية التحتية والفنية للعملية الدرامية.
ويشير الصالحي إلى أهمية دور الإعلام الخاص، كونه من أرسى قواعد التنافسية في مجال الدراما، بعد أن كانت لزمن طويل محصورة في الزاوية الحكومية التي لم تكن تضع التنافس في حسبانها.
وتشارك قناة “يمن شباب” هذا العام بثلاثة أعمال متنوعة، تتراوح بين الكوميديا الاجتماعية والتاريخية الوثائقية، كمسلسل “ملوك اليمن”، الذي يشارك فيه نخبة من نجوم الفن في اليمن وسوريا والأردن.
غياب الاستقرار الإنتاجي من الصعوبات التي تواجه الدراما اليمنية

الكاتبة/ يسرى عباس
تحديات كثيرة ما تزال تواجه صناعة الدراما في اليمن، بحسب حديث الكاتبة يسرى عباس لشبكة «مراسلين»، أبرزها غياب الاستقرار الإنتاجي، وضعف التمويل، وارتباط الدراما بالمواسم فقط، إضافة إلى الظروف السياسية والحرب التي أثّرت على بيئة التصوير، وعلى نفسية صنّاع العمل أنفسهم. كما أن هجرة الكفاءات وغياب التدريب المستمر فاقما المشكلة، حدّ تعبيرها.
وأكدت عباس أن الكاتب اليمني يعاني ما وصفته بـ«الرقابة المزدوجة»؛ رقابة اجتماعية شديدة، وأخرى إنتاجية تتعلق بما «يُسمح» بعرضه خوفًا من الجدل أو الخسارة. وتشير إلى أن الفكرة أحيانًا لا تُرفض مباشرة، بل يتم تفريغها من روحها، وهو ما تراه أخطر من المنع.
وترى عباس أنه في أغلب الحالات تكون سرعة تنفيذ العمل واللحاق بالموسم الرمضاني على حساب جودة النص، الذي يُتعامل معه أحيانًا كخطوة إجرائية لا كأساس للعمل، مضيفة: “مع أن الحقيقة هي أن أي نجاح حقيقي يبدأ من نص قوي”.
تكرار الأفكار والخوف من الجديد
“التكرار ليس فقر خيال، بل فقر ثقة في الجديد”. وعن رأيها في تكرار الأفكار والقصص في الدراما اليمنية، تقول عباس إن الخوف من المغامرة وتقديم الشيء الجديد، والركون إلى ما أسمته “الوصفة المضمونة”، هو ما يجعل الأفكار تتكرر في معظم الأعمال، إضافة إلى غياب غرف الكتابة واحتكار بعض الأسماء للمشهد.
وفيما يتعلق بتقبّل المجتمع للأفكار الجديدة والمواضيع الجريئة، تؤكد عباس أن المجتمع بات أكثر تقبّلًا مما هو متوقّع، لكنها ترى أن المشكلة ليست في الجمهور، بل في «الوصاية المسبقة عليه». فبرأيها، عندما يُقدَّم الطرح الجريء بذكاء واحترام وعمق إنساني، يصل إلى الناس ويتفاعلون معه، حتى لو اختلفوا معه.
وتشير عباس، التي تغيب عن المشاركة في السباق الرمضاني لهذا العام، إلى أنها تأمل كتابة مواضيع جريئة، لا لغرض الصدمة، بل بدافع الصدق في معالجة القضايا وقول ما يُخشى الاعتراف به.
وعما تحتاجه الدراما اليمنية للنهوض، تقول عباس: «تحتاج الدراما اليمنية إلى احترام الكاتب والنص، ومنح وقت حقيقي للكتابة، إضافة إلى أهمية التدريب والتطوير المستمر، ومضاعفة الإنتاج بحيث يكون استثمارًا ثقافيًا لا موسميًا». وتؤكد في هذا السياق أن النص اليمني قادر على المنافسة بجدارة.
وتختم عباس حديثها برسالة لصنّاع الدراما مفادها أن “الدراما ليست ترفًا في بلدٍ متعب، بل ضرورة”.
يُذكر أن آخر أعمال الكاتبة يسرى عباس في الموسم الرمضاني الماضي كان مسلسل “طريق إجباري” الذي عُرض على قناة بلقيس، كما قدّمت عددًا من الأعمال البارزة، من أبرزها “سد الغريب”، و”أنياب الشر”، و”أشواق وأشواك”، وغيرها من الأعمال الدرامية.
تحسّن ملحوظ… وإنتاجية مقيّدة بالقنوات التلفزيونية المتاحة

الكاتب والناقد الفني والأدبي- جمال حسن
يرى الكاتب الصحفي والناقد الفني والأدبي جمال حسن أن هناك تحسنًا ملحوظًا في صناعة الدراما اليمنية، يتجلّى في الاستمرارية وزيادة عدد الإنتاجات الدرامية، رغم أنها ما تزال محصورة في موسم رمضان.
ويوضح حسن لشبكة «مراسلين» أن أبرز ما تواجهه صناعة الدراما في اليمن هو عدم استمرارية الإنتاج، كونه مرتبطًا بالقنوات التلفزيونية المتاحة، والتي غالبًا ما تكون مدعومة من طرف سياسي، وهو ما يعني عدم اعتمادها على مصادر ذاتية، الأمر الذي يجعل اعتمادها كليًا على الإعلانات وغيرها من موارد صناعة الإعلام. ويحذّر حسن من أن هذا الوضع قد يؤدي إلى اختفاء هذه القنوات في أي لحظة.
وأضاف أن هناك تحديات عديدة تُضعف الإنتاج الدرامي، من بينها افتقار هذه الصناعة إلى البنية التحتية، مثل الاستوديوهات، وغياب الخلفية الأكاديمية التي تمثّل مدرسة لتخريج كوادر متخصصة في هذا المجال.
ويوافق حسن رأي المخرج الظاهري بأن الأزمة الأكبر في صناعة الدراما اليمنية تكمن في القصور لدى كتّاب السيناريو، ويضيف:
“الأزمة الأكبر هي أزمة كتّاب السيناريو، وأعتقد أن جميع الأمور مرتبطة ببعضها. فمع تحسّن وضع الإنتاج، سيساعد ذلك على تحسّن أوضاع العاملين في هذا المجال من ممثلين وكتّاب وغيرهم”.
ويرى حسن أن النقد الذي يلي عرض كل عمل درامي يُعدّ ضرورة، شريطة أن يمتلك الناقد أدوات نقدية تهتم بالتفاصيل المرتبطة بصناعة الفن، وأن يكون الهدف من النقد هو التطوير والتحسين مستقبلًا. ويضيف: «النقد الإيجابي يسمح بالنظر إلى الجوانب التي يمكن البناء عليها، وكذلك إلى أوجه القصور التي يمكن تلافيها».
اعتماد لهجة موحدة
في حين يرى حسن أنه من السابق لأوانه أن تنافس الدراما اليمنية خارجيًا، وذلك لأسباب عدة، أبرزها وضوح اللهجة، إذ ما تزال الدراما اليمنية تفتقد إلى لهجة موحّدة. ويشير إلى أنه يُفترض اعتماد لهجة بيضاء بدلًا من تعدد اللهجات، في حال كان الهدف هو المنافسة عربيًا.
لكن هذه التحديات لا تعني أن اليمن لا تمتلك واقعًا خصبًا للقصص الدرامية الثرية والغنية بالأحداث، والتي يمكن للكتّاب الاستلهام منها. ويؤكد حسن أن ذلك يتطلب البناء على المميزات الموجودة وتطوير الأدوات، سواء من خلال الابتعاث أو إيجاد قاعدة أكاديمية مرتبطة بالعمل الدرامي، ورغم أن ذلك قد لا يكون متاحًا حاليًا في ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد، إلا أنه يأمل أن يتحقق مستقبلًا.

أعمال في السباق الرمضاني 2026:
يشهد هذا الموسم عرض العديد من المسلسلات الدرامية اليمنية، منها:
- مسلسل “الضايعة”، الذي سيُعرض على قناة المهرية، وهو عمل كوميدي اجتماعي من إخراج ياسر الظاهري، وبطولة عدد من النجوم، منهم حسن الجماعي، وعبدالله يحيى إبراهيم، وبكار باشراحيل، وأصيل حزام، ورغد المالكي، وغيرهم.
- مسلسل “دروب المرجلة” بجزئه الثالث، الذي سيُعرض على قناة السعيدة، من إخراج وليد العلفي، وبطولة صلاح الوافي، وأشواق علي، وزيدون العبيدي، وآخرين.
- مسلسل “لصوص العمارة”، وهو عمل كوميدي اجتماعي من بطولة الفنان صلاح الوافي، وآدم سيف، وسالي حمادة، وأماني الذماري، وآخرين، وسيُعرض على قناة يمن شباب.
- مسلسل “ملوك اليمن”، وهو مسلسل وثائقي درامي تم تصويره في سوريا والأردن، من بطولة نبيل الآنسي، وحسن الجماعي، ونخبة من نجوم الفن اليمني، وبمشاركة نجوم من سوريا، منهم الفنان عامر العلي، ومن الأردن مجموعة من الممثلين، من بينهم النجم الأردني الكبير عبد الكريم القواسمة. المسلسل من إخراج السوري عبد القادر الأطرش، وسيُعرض على قناة يمن شباب.
- مسلسل “المدرسة”، بطولة فهد القرني، ومحمد الأموي، وحسام الشراعي، وآخرين، ويُعرض على قناة يمن شباب.
- مسلسل “عيال صالح”، وسيُعرض على قناة سبأ الفضائية التابعة للحكومة المعترف بها ، ويُعد أول إنتاج درامي للقناة التي بدأت بثها الرسمي منتصف يناير الجاري. المسلسل من إخراج حمدي منصور، وسيناريو وحوار علي الخمري، وبطولة مجموعة من النجوم الشباب: حسن الجماعي، وخالد السياغي، وصالح الأسمر، وهبة الله خالد.
- مسلسل “عنبر 5″، وهو عمل كوميدي تراجيدي يشارك فيه عدد من نجوم الدراما اليمنية، منهم نبيل حزام، ويحيى إبراهيم، وفؤاد الكهالي وآخرين، وسيُعرض على قناة اليمن الفضائية التابعة لحكومة صنعاء، والعمل من إخراج عادل العديل وهيثم سلامة.




