اقتصادتقارير و تحقيقات

“العملة السورية الجديدة” بين الحماس للرموز الزراعية ورأي المصممين

كيف رآها السوريون على السوشال ميديا؟”

محمد سمير طحان – خاص مراسلين

دمشق – منذ لحظة الإعلان عن العملة السورية الجديدة بمختلف فئاتها يوم الاثنين 29 ديسمبر / كانون أول، تحوّل شكلها وتصميمها إلى موضوع نقاش واسع بين السوريين، ولا سيما بين الفنانين والمصممين والإعلاميين، الذين انقسموا بين من رأى في الرموز الزراعية واللونية خطوة نحو هوية أكثر هدوءاً، وبين من اعتبرها أقرب إلى “ملصقات عصائر” أو “لعبة أطفال” لا تحمل الهيبة الكافية لعملة وطنية.

آراء فنانين وإعلامييين
الإعلامية إيلاف الياسين (إعلامية سورية) رأت في العملة الجديدة تصميماً «”لطيفاً وملوناً وبسيطاً وحيادياً” بحسب تعليقها عبر منشور على صفحتها في فيس بوك، معتبرة أن الابتعاد عن الشخصيات والرموز الخلافية والاتجاه نحو القطن والزيتون والقمح والتوت والطيور خيار “ذكي” في ظل الاستقطاب السوري، لأن أي صورة لشخص أو معلم كانت ستصبح موضع تجاذب حاد.

في المقابل، نقلت منصة “X Medi:” المعارضة للحكومة السورية تعليق أحد الفنانين السوريين (لم يُذكر اسمه) قال إن الانطباع الأول عند رؤيته العملة كان أنها “لصاقات لزجاجات العصائر أو إعلان لمشروب”، في إشارة نقدية إلى الأسلوب البصري وألوان الفئات المختلفة التي بدت له أقرب إلى عالم التسويق التجاري منها إلى تصميم نقدي صارم.
كما ذكرت المنصة في منشور آخر أن ناشطون تداولوا ملاحظة لغوية تتعلّق بتسمية فئة 10 ليرات في العملة السورية الجديدة، بعد ظهور عبارة “10 ليرة” على إحدى الفئات ، وبحسب مختصين في اللغة العربية، فإن الصياغة الأدق تكون “10 ليرات” (أو عشر ليرات) لأن العدد عشرة يُستخدم معه اسم المعدود بصيغة الجمع في مثل هذا السياق، ما يجعل كتابة “10 ليرة” محلّ انتقاد لغوي.

ممثلون وفنانون تشكيليون
الممثل السوري عدنان أبو الشامات تساءل عبر منشور على فيسبوك عن “رمز” مكرر في جميع الفئات على العملة الجديدة، معبّراً عن عدم وضوح دلالته بالنسبة له، ما فتح نقاشاً واسعاً في التعليقات حول لغة الإشارات البصرية في التصميم وغياب الشرح الرسمي الكافي لعنصر يَظهر في كل الفئات النقدية.
في محتوى بصري متداول من حفل إطلاق العملة، برزت تعليقات لفنانين ومشاركين من أمام مبنى مصرف سوريا المركزي تتحدث بلهجة احتفالية عن “التخلّص من الصور القديمة” واعتبار المشهد بداية رمزية لـ”سوريا جديدة”، مع حضور واضح لنبرة الفرح بغياب صور النظام السابق عن أوراق الليرة.

مصممون ومهتمون بالهوية البصرية
الدكتورة هلا قصقص، الباحثة في الفنون الإسلامية والعمارة، واحدى أعضاء الفريق الذي أنجز الهوية البصرية الجديدة للدولة السورية ، كتبت عبر منشور على صفحتها في فيس بوك ، أن الاكتفاء بالنبات كرمز رئيسي على العملة السورية الجديدة يمثل “حياداً مفرطاً” يفرّغ الهوية من معناها بدلاً من حمايتها، لأن القمح والزيتون والقطن والتمر وإن كانت جزءاً أصيلاً من المشهد السوري، إلا أنها رموز غير حصرية يمكن أن تنتمي لأي بلد في المنطقة، فتتحول من علامة ثقافية خاصة إلى زخرفة عامة لا تُحيل مباشرة إلى سورية أو إلى تاريخها الحضري والإنساني.

وتشير قصقص إلى أن المشكلة ليست في النبات بذاته بل في إقصاء العمارة والرموز التاريخية والحرفية التي كانت قادرة، لو استُخدمت، على ربط العملة بأرشيف بصري سوري يمتد من إيبلا وماري وتدمر إلى العصور الأموية والمملوكية والعثمانية، موضحة أنها عملت شهرين على إعداد ملف مرجعي غني بهذه الاقتراحات ووضعته بيد فريق التصميم، لكن النتيجة جاءت برأيها “سرداً بصرياً عاماً ومستهلكاً” أضاع فرصة بناء خطاب بصري متماسك يجعل العملة جسراً بين الذاكرة والمواطنة، رغم تسجيلها إيجابية وحيدة تتمثل في التخلص من رموز “النظام البائد” وما رافقها من تمجيد قسري وثقل سلطوي.

المصمم البصري عبد الله كشي نشر على إنستغرام منشوراً يعرض فيه فئة 500 ليرة السورية الجديدة، وطلب من متابعيه إبداء آرائهم في التصميم، لتأتي التعليقات متباينة بين من وصف التصميم بأنه “جميل وراقي بلمسة وطنية” ومرتبط بالأرض والمنتج الزراعي، وبين من قال إنها “تشبه لعبة” أو “عبوات صابون أو نكهات عصير” وتفتقر لـ”هيبة الدولة” ولقوة الهوية البصرية المطلوبة للعملة.

أحد المتابعين لدى كشي أشار إلى أن أهم ما يميّز التصميم هو ابتعاده عن الرموز السياسية وارتباطه بالقمح والزيتون والقطن، معتبراً أن هذه النقلة تعكس “هوية هادئة وشمولية”، بينما رأى آخرون أن ترتيب العناصر والألوان و”الكونسبت” العام ضعيف مقارنة بنماذج افتراضية صمّمها هواة سوريون ونشروها سابقاً على تيك توك بوصفها “أكثر فخامة وقوة” من النسخة الرسمية.

فنانين رقميين ومحتوى تفاعلي
في مقطع مصوّر لمصمم و”فيجوال ديزاينر” سوري ضمن حساب تحت اسم yassincreates تحدّث عن العملة الجديدة، أوضح أن بعض التعليقات التي سمعها من المتابعين تدور حول غياب “الإحساس بالقوة” في التكوين البصري، مقابل حضور قوي لفكرة “المنتج” أو “البوستر”، مؤكداً أن التصميم من حيث المبدأ مفهوم وقابل للقراءة، لكن يعاني من ضعف في الهرم البصري وعدم توازن في توزّع العناصر على بعض الفئات.

المصمم نفسه ربط بين شكل العملة وبين سؤال أوسع حول تأثيرها على ثقة الناس بالاقتصاد، معتبراً أن التصميم جزء من “حملة رمزية” مكمّلة للإجراءات التقنية والاقتصادية، لكنه شدد على أن قوة العملة في وعي الناس ستظل مرتبطة بقيمتها الفعلية وقدرتها على تحسين الحياة اليومية، لا بمجرد جاذبيتها الجرافيكية.

مزاج عام يعكس مدى القرب والابتعاد عن الحكومة السورية
بين الفنانين والمصممين والإعلاميين، يظهر أن العملة السورية الجديدة فتحت باباً للتعبير عن مدى رضا او امتعاض السوريين حول الخطوات التي تتخذها الحكومة السورية سعياً للتتعافي الاقتصادي ؛ حيث حظيت هذه الخطوة بترحيب حذر بالرموز الزراعية والابتعاد عن صور الأشخاص، مقابل انتقادات حادة للخطوط والألوان وضعف “هيبة” التصميم، مع حضور ساخر في تشبيه الفئات بمغلفات العصير أو ألعاب الأطفال.

وفي الخلفية يبقى السؤال الأهم لدى كثيرين ؛ هل ستُترجم هذه “الهوية البصرية الجديدة” إلى قيمة حقيقية في سوق العمل والدخل والمعيشة، أم تبقى مجرد تغيير شكلي فوق واقع اقتصادي مثقل بالتحديات؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews