أخباراقتصاد

بين أنقرة والخليج.. “الواقعية الاقتصادية” ترسم خارطة تحالف استراتيجي في 2026

بقلم: أبوبكر إبراهيم أوغلو

لم يكن تجاوز حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي حاجز الـ 30 مليار دولار سنوياً مع مطلع عام 2026 مجرد رقم عابر في النشرات الاقتصادية؛ بل هو إعلان صريح عن ولادة محور اقتصادي إقليمي جديد. هذا المحور استطاع أن ينقل العلاقات من “مرحلة التهدئة السياسية” إلى “مرحلة التكامل الهيكلي”، محولاً التحديات الجيوسياسية العالمية إلى فرص استثمارية عابرة للحدود.

مرحلة “قطف الثمار”.. قراءة في الدوافع الاستراتيجية

لقد سجلت التجارة البينية قفزة لافتة، حيث تضاعفت الأرقام بنسبة تجاوزت 120% مقارنة بعام 2021. ويرى الخبراء أن هذا الصعود هو النتيجة المنطقية لمرحلة “قطف ثمار” الاتفاقيات التاريخية التي وُقعت قبل ثلاث سنوات. وفي هذا السياق، أكد نائل أولباك، رئيس مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي (DEİK)، أن الشركات التركية والخليجية انتقلت من بروتوكولات التعاون الورقية إلى التنفيذ الفعلي لمشاريع عملاقة في البنية التحتية والذكاء الاصطناعي.

من جانبه، أشار وزير التجارة التركي، عمر بولات، في تصريحات رسمية، إلى أن بلوغ هذه الأرقام القياسية هو ثمرة مباشرة لاتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، التي لم تكتفِ بخفض الرسوم الجمركية، بل أزالت العوائق البيروقراطية أمام تدفق رؤوس الأموال السيادية الخليجية نحو قطاعات التكنولوجيا والعقار والطاقة التركية.

من السلع التقليدية إلى “سيادة التكنولوجيا”

الملمح الأبرز في خارطة التجارة لعام 2026 هو التغيّر النوعي في “سلة التبادل”. لم يعد الاعتماد منصباً على المنسوجات والمواد الغذائية؛ بل برزت قطاعات استراتيجية تقود المشهد اليوم:

  1. الصناعات الدفاعية: تحولت العلاقة من الاستيراد البسيط إلى “التصنيع المشترك”. وتُعد الشراكات بين شركة “بايكار” و”أسيلسان” التركية مع المؤسسات العسكرية في السعودية والإمارات نموذجاً ملهماً لتوطين المعرفة، وهو ما يصفه خبراء اقتصاديون بأنه انتقال من “علاقة بائع ومشترٍ” إلى “شراكة في المصير التقني”.
  2. الطاقة المتجددة والهيدروجين: مع توجه الخليج نحو “صافي الانبعاثات الصفرية”، برزت تركيا كشريك تقني ومصنّع لمكونات الطاقة الريحية والشمسية، مستفيدة من موقعها كحلقة وصل لتصدير الهيدروجين الأخضر مستقبلاً إلى أوروبا.
  3. مشروع “طريق التنمية”: يمثل هذا المشروع، الذي يربط ميناء الفاو العراقي بالأراضي التركية، العمود الفقري الجديد للتجارة الخليجية-الأوروبية، مما يعزز مكانة تركيا كمركز لوجستي لا غنى عنه للنمو الخليجي غير النفطي.

تحول هيكلي ناضج

في الإجابة على التساؤل الملح حول ديمومة هذا النمو، تؤكد المعطيات على الأرض أننا أمام “نضج هيكلي”. فالعلاقات اليوم لم تعد مرتبطة بصفقات تجارية عابرة، بل بـ “تشابك مصالح” معقد. وبحسب تقارير اتحاد الغرف والبورصات التركي (TOBB)، فإن تغلغل الاستثمارات الخليجية في قطاعات الإنتاج التركية، ومشاركة الشركات التركية في بناء مدن المستقبل مثل “نيوم”، خلق روابط عضوية تجعل من الصعب التراجع عن هذا المسار الاقتصادي.

خلاصة القول

إن القفزة التي نشهدها اليوم هي ثمرة “الواقعية الاقتصادية” التي تغلبت على التجاذبات السياسية السابقة. إن التكامل بين تركيا والخليج في 2026 بات يمثل ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي وصمام أمان ضد الصدمات الاقتصادية العالمية. ومع استمرار هذا الزخم، يتوقع أن يظل هذا المحور هو المحرك الرئيسي للنمو في منطقة الشرق الأوسط للعقد القادم.

bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews