قراءة في صعود الدور الهندي في معادلات الشرق الأوسط
براغماتية المصالح وشراكات ذكية مع الجميع بلا اصطفاف ولا ارتهان للمحاور

ترجمة وتحرير: عصام حريرة – مراسلين
استضافت نيودلهي في الـ31 من يناير/ كانون الثاني 2026 المؤتمر الهندي-العربي الثاني بمشاركة قادة من عدة دول عربية، في خطوة تؤكد عزم الهند على تعميق علاقاتها مع العالم العربي. ويستند هذا الانخراط إلى آليات مؤسسية أُنشئت عبر منتدى التعاون الهندي-العربي عام 2008، إضافةً لحصول الهند على صفة مراقب في جامعة الدول العربية منذ عام 2010.
وقد أسفر الاجتماع الأول لوزراء الخارجية العرب ونظيرهم الهندي، الذي عُقد في يناير/ كانون الثاني 2016 في البحرين، عن “إعلان المنامة” وبرنامج تنفيذي حدد مجالات ذات أولوية، من بينها الاقتصاد والطاقة والتعليم والإعلام والثقافة.
ومثّل هذا الاجتماع إحياءً للحوار على المستوى الوزاري بعد انقطاع دام نحو عقد من الزمن، وشارك وزراء خارجية أو ممثلون كبار من جميع الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية. وقد أعادت هذه المشاركة التأكيد على تنامي دور الهند كشريك في الشرق الأوسط، مع التزامات متجددة بالتعاون في مجالات التجارة والطاقة والتعليم والاستقرار الإقليمي.

وقد تعزز هذا الزخم الدبلوماسي بزيارة رئيس دولة الإمارات، محمد بن زايد، إلى الهند في الـ19 من يناير/ كانون الثاني 2026. ورغم قصر الزيارة فقد كانت ذات أهمية كبيرة نظرًا للاتفاقيات التي أُبرمت خلالها، بما في ذلك خطاب نوايا بشأن إطار شراكة دفاعية استراتيجية، واتفاقية بقيمة ثلاثة مليارات دولار لتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة عشر سنوات، إضافةً إلى مذكرات تفاهم تتعلق بالفضاء والتكنولوجيا والاستثمار والبنية التحتية الرقمية. كما حددت الزيارة هدفًا لمضاعفة حجم التبادل التجاري الثنائي ليصل إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2032، بما يعزز أمن الطاقة والشراكة الاقتصادية بين الهند والإمارات.

وأشار الجانب الدفاعي من الزيارة إلى تعميق مؤسسي للعلاقات بدلًا من اصطفاف ردّ فعلٍ ظرفي، وفي معرض رده على استفسارات الإعلام أوضح وزير الخارجية الهندي أن التفاهم الدفاعي “يمثل تطورًا طبيعيًا للتعاون الكبير القائم بالفعل بين البلدين، وليس استجابة لأي حدث محدد في المنطقة”. ويعكس تشديد الوزير الهندي على الاستمرار تفضيل الهند لشراكات استراتيجية مستقرة وطويلة الأمد في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.
على نطاق أوسع، تأتي هذه التحركات في سياق مشهد جيوسياسي إقليمي سريع التغير؛ فقد صعّد الرئيس الأمريكي “ترامب” الضغوط على إيران بينما تتزايد التوترات بين إيران و”إسرائيل” والولايات المتحدة. كما بدأت اصطفافات جديدة في التشكّل، مع تداول تكهنات حول إنشاء “ناتو إسلامي” أوسع نطاقًا قد يضم تركيا ودولًا أخرى ذات أغلبية مسلمة.
على المستوى الإقليمي، احتدمت التنافسات داخل مجلس التعاون الخليجي لا سيما بين السعودية والإمارات خصوصًا في اليمن والسودان. وبصورة أكثر وضوحًا، فإن اتفاق الدفاع الاستراتيجي المتبادل بين السعودية وباكستان الموقع في سبتمبر/ أيلول 2025، قد سمح بدخول إسلام آباد إلى الجغرافيا السياسية التنافسية للشرق الأوسط بشكل أعمق. وبينما يعزز الاتفاق الروابط الأمنية بين باكستان والرياض، فإنه يضيّق في الوقت ذاته هامش المناورة الدبلوماسية لباكستان في منطقة تتسم بالتنافسات وتشابك الشراكات.

وقد بدأت آثار هذا القيد تظهر بالفعل؛ فبعد وقت قصير من زيارة “بن زايد” إلى الهند انسحبت أبوظبي من مشروع مطار إسلام آباد الدولي، في إشارة إلى إعادة ضبط أولوياتها الاستثمارية. ورغم تقديم القرار رسميًا بوصفه قرارًا تجاريًا، فقد أبرز توقيته المخاطر المرتبطة بالاصطفاف المفرط في بيئة إقليمية مجزأة. وبالنسبة لباكستان، التي تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية وتعتمد على دعم صندوق النقد الدولي وتمويل دول الخليج، فإن هذه التطورات تؤكد كلفة محدودية المرونة.
على النقيض من ذلك، تبنّت الهند نهجًا أكثر توازنًا متعدد المسارات؛ فبعد خطاب النوايا الإماراتي أجرت الهند حوارًا استراتيجيًا مع السعودية في الـ28 من يناير/ كانون الثاني 2026، في الوقت الذي واصلت فيه انخراطها الوثيق مع “إسرائيل”. ويجري التحضير لزيارة رئيس الوزراء، ناريندا مودي، إلى “إسرائيل” استنادًا إلى زيارته السابقة عام 2017، كما يجري إعادة جدولة زيارة نظيره “الإسرائيلي” إلى الهند، التي كانت مقررة في أواخر عام 2025. وتؤكد هذه الخطوات استمرار الشراكة بين الهند و”إسرائيل” بما يعكس تقاربًا في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاستقرار الإقليمي. وعلى هامش الاجتماع الوزاري الهندي-العربي، التقى “مودي” أيضًا بالقيادة الفلسطينية، مجدِّدًا دعم الهند للحوار والاستقرار والتوصل لحل تفاوضي للصراع الفلسطيني-“الإسرائيلي”.
وعليه، فإن سياسة الهند في الشرق الأوسط تعكس مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية والشراكات القائمة على القضايا، بدلًا من سياسة المحاور أو الكتل؛ فبينما تحظى جميع العلاقات بالتقدير فإن بعض الشراكات، لا سيما مع “إسرائيل” والإمارات، تحمل وزنًا استراتيجيًا أكبر نظرًا لأهميتها الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية. وكما أشار “مودي” عقب اجتماع الهند وجامعة الدول العربية، فإن العالم العربي يشكّل جزءًا من الجوار الممتد للهند، وترتبط به بروابط حضارية وتعاون متنامٍ في مجالات التكنولوجيا والطاقة والتجارة والابتكار.
علاوةً على ذلك، فإن مشاركة الهند في مبادرات، مثل مجموعة الهند–إسرائيل–الولايات المتحدة–الإمارات “I2U2″، وممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا “IMEEC”، تُظهر أن انخراطها يجمع بين البعدين الثنائي والجماعي. كما إن هناك تقاربًا متزايدًا بين الهند و”إسرائيل” والإمارات والولايات المتحدة في مجالات الربط الإقليمي والتكنولوجيا والاستقرار، ما يعزز تموضع الهند الاستراتيجي في المنطقة.
وبالنظر إلى المستقبل، تخطط الهند لمشاورات وزارية منتظمة مع أعضاء جامعة الدول العربية، إلى جانب حوارات متابعة بشأن التجارة والطاقة ومكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون السياسي والاستراتيجي عبر الشرق الأوسط. ومن شأن هذه الجهود أن ترسخ دور الهند كشريك إقليمي موثوق، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات قوية مع “إسرائيل”، بما يعكس نهجًا دقيقًا ومتوازنًا واستشرافيًا.
المصدر: موقع ميدل إيست فورَمْ



