“دول آمنة” على الورق فقط… كيف تجاهل الاتحاد الأوروبي سجل القمع في مصر وتونس؟

مصطفى محمد- مراسلين
أثار قرار الاتحاد الأوروبي إدراج مصر وتونس ضمن قائمة «الدول الآمنة» موجة واسعة من الانتقادات الحقوقية والسياسية، في ظل سجل موثق من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في البلدين، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول المعايير التي استند إليها هذا التصنيف، وحدود تغليب المصالح السياسية على المبادئ الحقوقية.
مصر: دولة «آمنة» رغم القمع الممنهج
في مصر، يصعب التوفيق بين وصف «الدولة الآمنة» وواقع القمع المستمر منذ سنوات.
فبعد مرور ما يقرب من عقد على مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني عام 2016، لم تُقدَّم أي محاسبة حقيقية للمسؤولين عن الجريمة، رغم الأدلة والتقارير التي أشارت إلى تورط أجهزة أمنية. القضية التي هزّت الرأي العام الأوروبي لا تزال بلا عدالة، في مشهد يُجسّد أزمة الإفلات من العقاب.
في الداخل، توثق منظمات حقوقية دولية استمرار الاعتقال التعسفي بحق آلاف المعارضين والصحفيين والنشطاء، بعضهم محتجز لسنوات دون محاكمة عادلة. كما تتكرر التقارير عن الحرمان المتعمد من العلاج والطعام داخل السجون، ما أدى إلى وفاة معتقلين بشكل شبه دوري، دون تحقيقات شفافة أو مساءلة.
أما حرية التعبير، فهي عمليًا جريمة. فمجرد كتابة منشور، أو إبداء رأي سياسي مخالف، قد يؤدي إلى القبض الفوري، بتهم فضفاضة مثل «نشر أخبار كاذبة» أو «الانضمام إلى جماعة محظورة».
أما تونس، التي كانت تُقدَّم لسنوات كنموذج للتحول الديمقراطي في المنطقة، فقد شهدت تراجعًا حادًا في الحقوق والحريات
فمنذ 2021، توسّع استخدام القضاء والأجهزة الأمنية في ملاحقة المعارضين السياسيين، وبرزت قضايا اعتقال دون ضمانات قانونية كافية.
وتُعد قضية راشد الغنوشي مثالًا بارزًا على هذا المسار، حيث وُجِّهت له تهم اعتبرتها منظمات حقوقية ذات طابع سياسي، في سياق أوسع من إسكات الخصوم وتفكيك التعددية السياسية.
معايير مزدوجة أم صفقة سياسية؟
يرى مراقبون أن تصنيف مصر وتونس كـ«دول آمنة» لا يستند إلى تحسن حقيقي في أوضاع حقوق الإنسان، بل إلى اعتبارات سياسية وأمنية، أبرزها:
الحد من تدفق المهاجرين إلى أوروبا
التعاون الأمني ومكافحة الهجرة غير النظامية
المصالح الاقتصادية والاستراتيجية
هذا التوجه يعكس ازدواجية المعايير في سياسة الاتحاد الأوروبي، حيث يتم التغاضي عن القمع عندما يخدم الاستقرار الظاهري والمصالح الآنية، بينما تُرفع شعارات حقوق الإنسان في سياقات أخرى.
إن وصف دول تُسجن فيها الآراء، ويُعاقَب فيها التعبير، ويموت فيها المعتقلون خلف القضبان، بأنها «آمنة»، لا يُفرغ هذا المصطلح من معناه فحسب، بل يوجّه رسالة خطيرة مفادها أن حقوق الإنسان يمكن التنازل عنها متى تعارضت مع المصالح السياسية



