
يديعون احرونوت مقال: سمدار بيري
نشر في 31- 12 – 2025
ترجمة: أبوبكر خلاف
صوت الغضب من القاهرة
كان اسم مصر حاضرًا فوق طاولة اللقاء الذي جمع دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في منتجع مارالاغو، حتى وإن لم يبذل الطرفان جهدًا كافيًا لإشراك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مسار الوساطة مع غزة. غير أن التاريخ، ولا سيما قصة التحذير الذي نُقل عشية مجزرة السابع من أكتوبر، يعلّمنا أن الإنصات إلى القاهرة قد يكون الخيار الأكثر حكمة.
يطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لقب “الجنرال”، من دون إلحاقه بلقب رسمي أو توصيف بروتوكولي، في إشارة توحي بغياب مودة خاصة بين واشنطن والقاهرة. وعلى الجانب الإسرائيلي، لا يُخفي بنيامين نتنياهو بروده تجاه السيسي، بل يتعامل معه بقدر واضح من عدم الثقة.
ورغم أن اسم مصر طُرح خلال لقاء مارالاغو، بعد أن بقيت عمليًا الوسيط الوحيد بين إسرائيل وحركة حماس، فإن نتنياهو لم يبادر بالاتصال بالقصر الرئاسي في القاهرة. وفي محيطه، تُسرَّب إشارات إلى أنه ينتظر دعوة رسمية لزيارة مصر، غير أن هذه الخطوة ليست مطروحة على جدول أعمال الرئيس السيسي، الذي تجاهل بدوره مبادرة ترامب لعقد لقاء ثلاثي على الأراضي المصرية.
قنوات قديمة… وتحذير مبكر
العلاقة الخاصة بين البلدين قادت إلى محطات لافتة قبل مجزرة 7 أكتوبر، وبلغت ذروتها خلال عهد الرئيس المصري الراحل حسني مبارك. ففي إحدى مقابلاتي معه، أشار مبارك إلى صف من ضباط الاستخبارات المصرية، وقال لي على نحو مفاجئ: “أحدهم سيكون على تواصل معك”.
حتى ذلك الحين، لم تكن لي أي علاقة بالأجهزة الاستخباراتية المصرية. لكن بعد أسابيع قليلة، وصلتني أول رسالة. الضابط لم يعرّف عن اسمه، لكنه ذكّرني بالتزام قُطع لي في القصر الرئاسي، وهو من وضع قواعد التواصل: المبادرة ستكون دائمًا من جانبه، وكلما أراد الطرف المصري توضيح مسألة ما، سيتصل أو يكتب، مع حظر كامل لكشف مصدر المعلومات.
لم أكن أعرف اسمه، لكنني سرعان ما اكتشفت أنه يزوّدني بمعلومات دقيقة وموثوقة. التزمت بالقواعد، ونشرت تقارير عن العلاقات المصرية–الإسرائيلية وصلاتها بدول عربية أخرى. وهكذا، علمت في السنوات الأولى من رئاسة السيسي أنه كان يجري محادثات هاتفية مباشرة مع نتنياهو.
ما قبل 7 أكتوبر
ثم جاء السابع من أكتوبر 2023. بعد أربعة أيام من هجوم حماس، نقل لي مصدري المصري، بإصرار واضح: “لقد حذّرنا إسرائيل”، و”أنذرنا رئيس الوزراء نتنياهو بأن شيئًا رهيبًا سيقع خلال أيام قليلة”.
الرد الإسرائيلي كان جافًا؛ إذ أُبلغ رئيس الاستخبارات المصرية عباس كامل بأن الوضع في غزة “تحت السيطرة”، وأن “إسرائيل منشغلة أكثر بما يجري في مدن الضفة الغربية”.
في اليوم التالي نُشر التحذير، فقوبل بنفي رسمي إسرائيلي كامل. غير أن النفي لم يصمد طويلًا؛ إذ أكدت وكالة “أسوشيتد برس” وصحيفة بريطانية الرواية نفسها، قبل أن يخرج رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي مايكل مكول بتصريح يثبت صحة التحذير المصري حرفيًا.
تشكيك داخلي ورسالة أخيرة
رافقت النشر حملة تشكيك وهجوم شخصي، شملت اتهامات بالاختلاق والانحياز السياسي. كما حاول نتنياهو إنكار لقاءات مع رئيس الاستخبارات المصرية عباس كامل، قبل أن تُظهر صور صحفية لقاءاتهما في أكثر من مناسبة.
أما الرسالة الأخيرة التي وصلتني من القاهرة، فتمحورت حول غضب مصري من تفضيل قطر على حساب الوساطة التقليدية للقاهرة، مع تحذير مباشر: “ستتعلمون الدرس”.



