تقارير و تحقيقات

حقيبة اليونسيف ..أمل فتاة سودانية في زمن الحرب

نشوة أحمد الطيب: خاص _مراسلين

لم تكن حياتها معقدة في بدايتها، فـ “ل.د” ولدت ونشأت مع أسرتها في المملكة العربية السعودية، حيث أمضت طفولتها ومراهقتها في بلد احتضنهم لسنوات طويلة.

لكن عام 2017 حمل قراراً غير مسار الأسرة، بعودة نهائية إلى السودان رغبة من والدها رحمه الله، في الاستقرار على أرض الوطن بعد غياب.

عادوا جميعاً إلى السودان وحاولوا التأقلم مع واقع جديد لا يشبه حياة الاغتراب.

كان التكيف بطيئاً كما تقول “ل.د” في حديثها الخاص لشبكة مراسلين، فالسودان لا يستطيع المرء أن يعتاد عليه سريعاً لكن الحياة تمضي والجهد الصغير يتحول إلى خطوة ثابتة.

مرت السنوات وتحديداً بعد ثلاثة أعوام من العودة رحل الأب عن الدنيا في عام 2020، رحل تاركاً فراغاً كبيراً في الأسرة وفراغاً أكبر في الصمود.

تقول “ل.د” هذا حال الكثيرين يعيشون في الخارج ثم يعودون لكن الموت لا يعترف بزمان ولا مكان.

ومع انطفاء سند الأب استمرت الأسرة في ترتيب واقعها الجديد إلى أن اندلعت الحرب في السودان

من أم درمان إلى النيل الأبيض

كانت الأسرة تقيم في مدينة أم درمان بالعاصمة السودانية الخرطوم عندما بدأت المعارك.

خرجوا منها تحت وقع الخوف واتجهوا نحو ولاية النيل الأبيض إحدى ولايات السودان الكبيرة حيث يقيم أهلهم.

لم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي بل انتقال قاسٍ في كل شيء في الأمان، في الخطط، وفي مسار الحياة فالحرب كما تقول <غيرت حال البلاد والناس والدنيا كل شيء اختلط وتلخبط>.

وفي خضم الفوضى برزت مشكلة أخرى.. التعليم

“ل.د” كانت قد عادت من السعودية وهي تحمل رغبة قوية في استكمال دراستها الجامعية، لكن لمشكلة في مستنداتها والتعقيدات الإدارية حالت دون ذلك حاولت وانتظرت وراجعت، ثم انتقلت من محاولة إلى أخرى ومن باب إلى باب، ومن تأخير إلى تأجيل.

وفي الوقت الذي لم تتوفق فيه هي، استمرت أخواتها الأصغر في تعليمهن.

إحدى شقيقاتها التحقت بأحد الجامعات السودانية وافتتح لهم مركز مؤقت في ولاية النيل الأبيض. حضروا فيه أسبوعين فقط ثم اندلعت الحرب وتوقفت الحياة، لكن الجامعة واصلت التدريس عن بعد، امتحنت شقيقتها في ذلك المركز المؤقت وأكملت سنتها الثانية وكانت تدرس على هاتف أختها “ل.د” بينما الأخيرة تساعدها وترافق خطواتها.

حقيبة اليونسيف.. حين يتحول الحرج إلى قوة

حين اقترب موعد سفر شقيقتها للانتقال حضورياً على جامعتها بدأت ضغوط جديدة، المستلزمات، الترتيبات، المال وكل شيء أصبح عبئاً فوق عبء.

تضيف “ل.د” فعلت لشقيقتي ما استطعت وما تبقى أصبح فوق طاقتنا.

كانت المنظمات قد أنشأت مشاريع ومراكز ووزعت بعض الاحتياجات، بحثت “ل.د” عن حل فلم تجد سوى حقيبة يد تابعة لمنظمة اليونسيف.

في البداية غلبها الحرج، كيف ستحمل حقيبة لمنظمة؟ ماذا سيقول الناس؟ ولكن الحرب كما تقول <لم تترك مجالاً لأحد كي يشعر بالخجل>. بقيت الأولويات واضحة تذاكر السفر مستلزمات أساسية، احتياجات لا يمكن الاستغناء عنها.

جلست أما حقيبة اليونسيف حاملة في يدها الأخرى قلم أسود وأمسكت بها محاولة إخفاء هوية الحقيبة الأساسية وتعديلها. تقول “ل.د” كنت أخشى إفسادها لكن المحاولة تحولت إلى ابداع حين انتهت من الرسم عليها كانت النتيجة كما تقول <جميلة جداً> حقيبة بسيطة تحمل قصة صمود أكثر مما تحمله من أمتعة.

تقول “ل.د” مواصلة في حديثها لـ مراسلين < الحياة لا تتوقف على شيء الناس عاشوا ما هو أصعب ومر عليهم ما هو أمر وهذا أيضاً سيمر والقادم أجمل بإذن الله>.

تعليم مؤجل.. وأمل يتجدد

لم تكن قصة الحقيبة لدى “ل.د” سوى فصل من فصول أطول. فبعد سنوات من التعليق تمكنت “ل.د” من استكمال ومعالجة أوراقها التعليمية المفقودة، وذهبت إلى جامعة السودان قدمت للقبول الأول وسحبت استمارته وانتظرت القرار الأخير.

لم يبقى سوى أيام قليلة على إعلان القبول ثم قامت الحرب بعد خمسة عشر يوماً فقط.

انقطع الطريق مرة أخرى وتراجع حلمها خطوة أخرى لكنها لم تتوقف ظلت تركز على شقيقتها ثم قالت لنفسها إنها ستعود يوماً ما لإكمال ما بدأته.

قبل يوماً فقط كما تخبرنا وصلت مع أسرتها إلى مكان أكثر استقراراً وعادت الخطة القديمة لتطفو من جديد < سأرجع وأتفقد أوراقي وسأصل إلى حيث توقفت>.

أبعد من حقيبة.. قصة بلد بأكمله

هذه القصة ليست مجرد رحلة فتاة سودانية أنهكتها الظروف ولا مجرد حقيبة أصلحتها بيديها راسمة فيها لوحة الأمل والصمود، قلوب صغيرة لازالت تنبض حباً للحياة تحملها حقيبة تحكي مأساة النزوح، إنها مرآة لوجوه كثيرة في السودان اليوم: وجوه فقدت وطناً فحملت ما بقي منه في حقيبة صغيرة وسارت.

حكاية “ل.د” هي قصة ملايين لكنها تروى هنا بلسان فتاة واحدة قررت ألا تستسلم للحرب ولا للخذلان ولا لضياع السنوات، قررت فقط أن تسير وان تصل مهما طال الطريق.

حقيبة اليوتسيف أمل فتاة سودانية في زمن الحرب

خاص - مراسلين

شبكة مراسلين هي منصة إخبارية تهتم بالشأن الدولي والعربي وتنشر أخبار السياسة والرياضة والاقتصاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews