طفل الخبز… حين يصبح الانتماء سبباً للأذى

شادي الشامي – محمد سمير طحان – خاص مراسلين
ريف دمشق – في مساء شتوي عادي أواخر شهر ديسمبر /كانون أول ، كان الطفل حمزة الحسن،المنتمي لإحدى قرى مدينة مصياف في محافظة حماة، يؤدي ما اعتاده كل يوم في العمل لمساعدة أسرته.
حمزة، الذي ينتمي إلى الطائفة العلوية، يسكن مع عائلته في حي الورود بمنطقة قدسيا، ويعمل في بيع ربطات الخبز بالقرب من فرن العرين ليساهم في إعالة أسرته و والده المريض، في مشهد يعكس تحمّل طفل مسؤوليات تفوق عمره.
لكن تلك الأرغفة التي كان يحملها تحولت إلى شاهد على لحظة قاسية، حين تعرّض حمزة للضرب والتنمر والإهانة على خلفية دينه وأصله، في حادثة صُوّرت وانتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتكشف وجهاً مؤلماً من استغلال الطفولة وبث خطاب الكراهية.
فيديو يوثق الإهانة… وغضب يتسع
المقطع المصوَّر أظهر حمزة وهو يتعرض لإيذاء جسدي وإهانات لفظية من قبل شبّان مجهولين، مع إجباره على تصرفات مهينة، في مشهد أثار صدمة وغضباً واسعاً. لم يكن الاعتداء جسدياً فقط، بل حمل إساءة مباشرة لهويته الدينية والاجتماعية، ما جعل القضية تتجاوز حدود حادثة فردية إلى نقاش عام حول خطورة التنمر الطائفي على الأطفال.
وسرعان ما تحولت القصة إلى قضية رأي عام، مطالِبة بمحاسبة المعتدين، وبحماية الأطفال العاملين من الاستغلال والتصوير والإذلال.
أم تشاهد الألم على وسائل التواصل
والدة حمزة روت، في تسجيل لاحق، أنها شاهدت الاعتداء على ابنها للمرة الأولى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يعود إلى المنزل. وتشعر بصدمة مضاعفة، إذ لم تكن تعلم بما جرى، ووجدت نفسها أمام مشهد يمس كرامة طفلها ويهدد استقراره النفسي.
وطالبت الأم بوقف تداول الفيديو، مؤكدة أن حمزة يعمل لمساعدة أسرته فقط، وداعية إلى دعمه إنسانياً وقانونياً بعيداً عن إعادة إنتاج الأذى.
متابعة رسمية ورفض للفتنة
على إثر الحادثة، زار العميد أحمد الدالاتي، قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق، ذوي الطفل حمزة، مؤكداً متابعة القضية وفق الأطر القانونية، ومشدداً على أن ما جرى تصرف مدان لا يمثل المجتمع السوري، ومحذراً من استثمار الحادثة لإشعال خطاب طائفي أو تقسيمي.
وأكد الدالاتي أن الدولة لن تسمح بتحويل حادثة اجتماعية إلى فتنة، وأن القانون هو الفيصل في حماية جميع المواطنين، دون تمييز ديني أو اجتماعي.
القاصران المعتديان… والعدالة التربوية
التحقيقات الرسمية بيّنت أن المعتدين قاصران، جرى التغرير بهما بخطاب كراهية، وتم إيقافهما في إطار إجراءات تهدف إلى المساءلة ومنع تكرار مثل هذه السلوكيات، مع التأكيد على البعد التربوي إلى جانب القانوني.

العفو… ذروة المشهد الإنساني
في موقف حمل دلالات عميقة، قررت عائلة حمزة إسقاط الحق الشخصي عن القاصرين المعتدين، بالتنسيق مع الجهات المختصة. قرار لم يُلغِ دور الدولة، لكنه وجّه رسالة أخلاقية واضحة مفادها ، التسامح خيار لحماية المجتمع، لا تبرير للخطأ.
حمزة يتكلم… والخوف من التكرار
في تسجيل لاحق، تحدث حمزة عن خوفه من إعادة نشر الفيديو وتأثيره عليه، مؤكداً أن ما جرى حدث أثناء عمله في الفرن. ورغم طمأنة محيطه باستقرار حالته الصحية، بقي الأثر النفسي حاضراً، ليعيد طرح سؤال حماية الأطفال من التنمر والاستغلال، خصوصاً حين يُربط الأذى بالهوية الدينية أو الاجتماعية.
ما بعد القصة
قصة حمزة الحسن لم تعد مجرد حادثة ضرب وتنمر، بل تحولت إلى مرآة لاختبار وعي المجتمع السوري. بين طفل يعمل ليعيش، وعائلة اختارت التسامح، ودولة أكدت حضور القانون، برزت رسالة واحدة:
أن سوريا لا تُبنى بالكراهية، وأن كرامة الطفل خط أحمر، وأن ما يجمع السوريين أقوى من أي خطاب تنمري طائفي عابر.




