تقارير و تحقيقات

بين الخندق والدراجة: مراسلين توثق حكاية رياضي سوداني يقاتل في الحرب ويجري خلف حلمٍ بلا دولة

نشوة أحمد الطيب -خاص مراسلين

في إحدى زوايا الحرب السودانية، حيث يصحو الجنود على صوت السلاح وينامون على احتمالات الغد، يرابط صهيب طه أبكر جنديًّا في القوات المسلحة السودانية إلى جانب زملائه في صفوف القتال.

وفي الوقت ذاته، يحمل في ذاكرته طريقًا طويلاً قطعه وحيدًا على دراجته، وحلمًا رياضيًا لم يتخلَّ عنه رغم الحرب والتجاهل وغياب الدعم المؤسسي.

هذه ليست حكاية جندي فقط، ولا قصة رياضي فحسب، بل شهادة إنسانية كما رواها لـمراسلين، عن شابٍ وجد نفسه موزعًا بين الخندق والمضمار، بين الواجب الوطني وحلمٍ فرديٍّ تركته الدولة دون سند، قطع مسافة 430 كيلومترًا في يومين…من الأبيض إلى الخرطوم ولم يجد في استقباله غير والدته.

القصة كما رواها لنا..

ينحدر صهيب طه أبكر من مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، حي الناظر. يبلغ من العمر 24 عامًا، وقد توقفت رحلته التعليمية عند الصف الثامن الابتدائي نتيجة ظروف معيشية قاسية دفعته لاتخاذ قرارات مبكرة.

بدأ صهيب مسيرته الرياضية عام 2015 بممارسة التايكوندو في مدينة الأبيض، وكان مواظبًا على التمارين إلى حدٍّ غلب فيه شغفه بالرياضة اهتمامه بالدراسة. مثّل ولايته في بطولات داخلية أُقيمت في الخرطوم وكسلا وغيرها من الولايات، وشارك في بطولات سفير كوريا خلال الفترة من 2015 إلى 2019، محققًا ما بين 7 إلى 10 ميداليات، غالبيتها ذهبية وفضية، إلى جانب شهادات تقدير رسمية من الولاية.

ويشير صهيب إلى أن الضائقة المادية حالت دون توفير مستلزمات التعليم، كما أغلقت أمامه فرص التطور الرياضي الخارجي، ما دفعه للتركيز كليًا على النشاط البدني، أملاً في الوصول إلى تمثيل السودان خارجياً، وهو حلم ظل يصطدم بعائق التمويل وغياب الرعاية.

محطة القوات المسلحة… الرياضة بوابة العبور

في عام 2018، التحق صهيب بـالقوات المسلحة السودانية عبر المجال الرياضي، باعتبار أن المؤسسة العسكرية تضم عدة مناشط رياضية، واختار حينها رياضات ألعاب القوة.

ويوضح أنه كان رافضًا للفكرة في البداية، لكنه قبلها بعد وفاة والده، في ظرفٍ إنساني صعب أعاد ترتيب أولوياته، وكان من تبعاته تركه للدراسة نهائيًا.

داخل القوات المسلحة، واصل صهيب نشاطه الرياضي بصورة طبيعية، وشارك في مهرجان القوات المسلحة الرياضي الذي أُقيم في كادقلي، وحقق فيه المركز الثاني، في واحدة من المحطات القليلة التي شعر فيها بأن جهده يجد اعترافًا رسميًا.

ألعاب القوى… تجربة قصيرة بطموح كبير

في عام 2019، انتقل إلى ألعاب القوى عبر الدورة المدرسية في نيالا، وبرز في المسافات الطويلة ورمي الرمح، مشاركًا في بطولات داخلية بالخرطوم وكادوقلي، محققًا نحو 4 ميداليات وكأسًا، غير أن الاختلاف الكبير بين متطلبات ألعاب القوى والتايكوندو، من حيث البناء العضلي والمرونة، جعله يقرر التراجع خطوة بحثًا عن مسار أكثر انسجامًا مع قدراته.

الدراجات الهوائية… حين اختاره الطريق

بدأت علاقة صهيب بالدراجات الهوائية كوسيلة تنقّل بسيطة من المنزل إلى النادي، قبل أن تتحول إلى شغف حقيقي بعد انضمامه لمجموعة أصدقائه الذين يمارسون الركوب في المناطق الجبلية.

شارك في بطولة الجمهورية بالخرطوم بدراجة غير مخصصة للسباقات، ومن دون معرفة كافية بالقوانين، ورغم ذلك أحرز المركز الرابع.

لاحقًا، اشترى دراجة سباق احترافية من ماله الخاص، ودخل تصفيات المنتخب الوطني بالخرطوم، محققًا المركز الرابع في سباقي 75 كيلومترًا و100 كيلومتر، ليتم ضمه إلى المنتخب السوداني للدراجات الهوائية.

حين يتوقف الحلم عند المال

بعد ترشيحه للمشاركة في بطولة بمصر، أكمل صهيب جميع الإجراءات الرسمية، قبل أن تعتذر وزارة الشباب والرياضة عن تحمّل تكاليف السفر.

سافر زملاؤه القادرون على الإنفاق الذاتي، بينما توقفت مشاركته عند حدود الإمكانيات المالية، رغم استيفائه الشروط الفنية والبدنية، في مفارقة يصفها بأن “الاستحقاق في الرياضة لا يكون دائمًا هو الفيصل”.

430 كيلو متراً.. الطريق بديلاً للمنصة

قرر صهيب أن يثبت قدرته بطريقته الخاصة، فانطلق بدراجته من الأبيض إلى الخرطوم، قاطعًا مسافة 430 كيلومترًا خلال يومين.

في اليوم الأول قطع الطريق من السادسة صباحًا حتى السادسة مساءً، وفي اليوم الثاني من السادسة صباحًا حتى الواحدة ظهرًا.

يقول إن الرحلة كانت مرهقة بدنيًا ونفسيًا، خاصة مع التزامه بإنهائها خلال يومين خشية البقاء في الطريق.

توقف في عدة محطات، حيث وجد دعمًا إنسانيًا بسيطًا من المواطنين، في مقابل موجة من التعليقات السلبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بلغت حد اتهامه بالبطالة وانعدام الهدف.

وبرغم ذلك، يعتبر صهيب أن تلك التعليقات شكّلت حافزًا إضافيًا، مؤمنًا بأن “أي نجاح بلا عقبات، نجاح غير حقيقي”.

بين الأبيض والخرطوم… (والدته) فقط في خط النهاية

لم يتوقع صهيب استقبالًا عند وصوله إلى مدينة الأبيض، نظرًا لغياب ثقافة رياضة الدراجات، وسوء فهم المجتمع المحلي لما قام به.

لكن عند وصوله إلى الخرطوم، كانت والدته في استقباله، في لحظة يصفها بأنها الأصدق والأعمق في مسيرته.

يؤكد أن والدته كانت ولا تزال مصدر دعمه الأساسي، والدافع الأكبر لمواصلة الطريق، وشاهدًا على أن الإصرار قد يعوّض غياب الدولة.

الحرب… حين تلاقت البندقية بالحلم

عند اندلاع الحرب، كان صهيب في مدينة الأبيض توجه منذ الأيام الأولى إلى القيادة العسكرية، لكنه أُعيد إلى المنزل أكثر من مرة، قبل أن يُسمح له لاحقًا بالانضمام، ظل يذهب ويعود يوميًا إلى أن تم تسليحه، وأصبح مرابطًا مع زملائه في صفوف القتال، ولا يزال في موقعه حتى الآن.

وخلال هذه الفترة، لم يتخلَّ عن التدريب، إذ خصّص ساعة يومية للتمارين بعد صلاة الفجر، رغم المخاطر، معتبرًا أن الرياضة كانت طريقته للحفاظ على توازنه النفسي في واقعٍ قاسٍ.

ما يريد أن يُذكر به..

يؤكد صهيب طه أبكر، في ختام حديثه لـمراسلين، أنه لا يزال يؤمن بقدرته على تمثيل السودان في التايكوندو والدراجات الهوائية، رغم غياب الدعم المؤسسي، وتركيز الدولة على كرة القدم وحدها.

كما عبّر عن رغبته في أن يُذكر اسمه كشابٍ “فعل المستحيل لرفع راية السودان، ولنشر ثقافة الرياضة، خصوصًا رياضة الدراجات في مدينة الأبيض”، مشيرًا إلى مشروع مؤجل لرحلة بالدراجة من مصر إلى السودان، تعطّل بسبب ضعف الإمكانيات.

قصة صهيب تختصر واقع جيلٍ كامل، أحلام فردية كبيرة، مواهب حقيقية، وحضور دائم للدولة… في الغياب.

إنها حكاية رياضي لم ينتظر التصفيق وجندي لم يخلع حلمه عند ارتداء الزي العسكري وشاب اختار أن يواصل الطريق حتى وإن كان بلا جمهور.

Nashwa Ahmed

صحفيةٌ سودانيةٌ متخصِّصةٌ في التحقيقات الصحفية، والتقارير، وتغطية ومعالجة القضايا الاجتماعية والتنموية، والقصص الصحفية بطرحٍ مهنيٍّ معمَّق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews