تقارير و تحقيقات
أخر الأخبار

رغيف الخبز على قارعة “كعابيش”…. “زهراء” تُغالب صقيع اللجوء بدفء الكفاح

سيدة سودانية تحوّل الرصيف إلى ملاذ آمن لليتامى.. وزوجها يسند طاولتها في ليل الجيزة البارد

مصعب محمد- خاص مراسلين

القاهرة : تحت وشاح من الضباب الصباحي الذي يلف طريق “كعابيش” بمحافظة الجيزة المصرية، وفي ذروة شتاء 2026 الذي لا يرحم، تقف السيدة زهراء التوم خلف طاولتها الخشبية البسيطة. لا يكسر حدة الصقيع الذي يلف المكان إلا دفء أكياس الخبز المترصة بعناية، ورائحة “الويكة” و”الدكوة” و “الكسرة” التي تفوح من بضاعتها، لتعيد رسم ملامح “أم درمان” و”بحري” في قلب الزحام القاهري.لم تكن “زهراء” يوماً غريبة عن العمل، لكنها اليوم تخوض معركة من نوع آخر؛ معركة تديرها بصلابة امرأة سودانية خبرت مدارس السودان ومطابخها والعمل فيها، قبل أن تلتهم الحرب هناك الأخضر واليابس، وتدفع بها إلى ضفاف النيل الأخرى، باحثة عن أمان لا يمسه احتياج.

إرث اليتم والأمل


تبدأ حكاية زهراء من تفاصيل عائلية مثقلة؛ فابنتها أرملة فقدت زوجها في أتون الحرب السودانية، وأربع حفيدات يتيمات، وإحداهن تصارع المرض بعد جراحة دقيقة في المريء. أمام هذا المشهد، لم يكن أمام الجدة الستينية إلا أن تستعيد “همة العمل”. تقول زهراء لـشبكة “مراسلين ” : “جئت إلى مصر منذ أربعة أشهر لأجد ابنتي تصارع الحياة وحدها لتؤمن مصاريف المدارس والعلاج. عرضت عليّ العمل في الأعمال المنزلية لكنني توجست خيفة؛ فنحن لسنا في بلادنا. اخترت الشارع لأنه عام وآمن، والرزق فيه وفير تحت عين المارة والناس”.

ورديات الكفاح والصمود


في “كعابيش”، لا يهدأ ضجيج السيارات، و”التكاتك” ولا تنطفئ حركة البيع والشراء. هناك، تحولت “الطاولة الخشبية” إلى مشروع عائلي متكامل. تبدأ زهراء يومها من العاشرة صباحاً، تبيع الخبز والمنتجات السودانيةالأخرى ، وحين يشتد البرد أو يميل النهار نحو الغروب، يظهر زوجها، ليناوبها العمل حتى الواحدة صباحاً.
تضيف بنبرة يملؤها الرضا: “زوجي لم يجد عملاً يناسب خبرته في الأعمال الحرة هنا، فلم يتردد في الوقوف خلف طاولة الخبز ، بينما يراقبون في نهاية يومهم ابناً يعود من عمله في مطعم عند الثانية صباحاً، وابنة تنهي ورديتها في متجر بمنتصف الليل. تواصل زهراء نحن نسند بعضنا البعض. ابني الوحيد يعمل في مطعم، وابنتي الأخرى في متجر، ولا نجتمع جميعاً إلا بعد منتصف الليل، لنتشارك حصيلة يوم طويل من الكد الشريف” .

فاتورة الحرب الباهظة


خلف هذا الكفاح و الصمود، تكمن جراح لم تندمل بعد. تتحدث زهراء عن الحرب بمرارة تفوق برودة الجو: “سلبونا كل شيء، حتى الأثاث والأواني. لكن الوجع الأكبر كان في فقد الأحبة. أخي قضى متأثراً بإصاباته بعد اعتداء وحشي من أفراد يتبعون لقوات الدعم السريع، وجيران وأهل تفرقوا في المنافي والمدن البعيدة” . ومع ذلك، لا تلتفت زهراء للوراء، وتؤمن زهراء بأن “المال يعوضه الله ما دامت الأنفس سالمة”.
تستعرض زهراء مكاسبها اليومية التي قد لا تتجاوز المائة جنيه في بعض الأيام، لكنها تراها “بركة” تكفي لستر الأسرة. وحين يكسد البيع، لا تعرف الندم، بل تمنح خبزها للناس بلا مقابل، مؤمنة بأن الرزق “مكتوب” ولن يضيع.

حجة لبيت الله تتوّج رحلة الشقاء


ومع مطلع عام 2026، وبينما يتبادل الناس التهاني بالأمنيات المادية، تبدو أمنية زهراء محلقة بعيداً عن صخب طريق كعابيش. تقول وعيناها ترنو نحو الأفق: “أديت العمرة سابقاً، وكل ما أتمناه اليوم هو حج بيت الله الحرام. علمت بناتي وزوجتهن، وأديت رسالتي تجاه أسرتي، ولم يتبقَ لي إلا الوقوف بين يدي الخالق في بيته العتيق”.
تغادر زهراء رصيفها يومياً، تاركةً خلفها درساً في “العزة والإباء” ؛ فهي التي لم تمد يدها يوماً لغير الله، ترى أن الوقوف لساعات طويلة على قارعة الطريق ليس عيباً، بل العيب في ترك السعي وعدم الأخذ بالأسباب.

فلسفة الصبر والاختبار


لا تنظر زهراء إلى محنتها بوصفها مأساة شخصية فحسب، بل تراها “اختباراً إلهياً” يتطلب صبراً جميلاً. وفي رسالة بليغة وجهتها عبر “مراسلين” لكل سودانية وسوداني فقد ماله أو أهله في الحرب، تقول زهراء : “من ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه، والحياة بطبيعتها مزيج من الحلو والمر، وكل ما يحدث فيها إنما يقع لحكمة ما” .
تختتم زهراء حديثها وهي ترتب أكياس الخبز و “الكسرة” ، مؤكدة أن العمل مهما طالت ساعاته أو قست ظروفه على قارعة الطريق، لا يمكن أن يكون عيباً ما دام يمنح صاحبه عزة النفس. فهي التي لم تقعد عن العمل أبدا منذ زواجها عام 1985، ترى في محنة اللجوء امتحاناً للرضا والثبات، قائلة بصوت يملؤه اليقين: ” الناس فقدت ما هو غالٍ ونفيس، وفقدت حتى أرواحها ونحن استودعنا الله ما فقدنا، وما دمنا بصحتنا وعافيتنا، فسنظل في هذا الطريق الذي ألفناه، نكسب قوتنا من عرق جبيننا، ولا نمد يدنا إلا للخالق عز وجل” .

خاص - مراسلين

شبكة مراسلين هي منصة إخبارية تهتم بالشأن الدولي والعربي وتنشر أخبار السياسة والرياضة والاقتصاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews