تقارير و تحقيقات
أخر الأخبار

السودان: استقالة تفجّر جدل تزوير الشهادات والسيادة الرقمية في جامعة الخرطوم

أمين الشؤون العلمية في جامعة الخرطوم يستقيل على وقع قضايا تزوير الشهادات


مصعب محمد- خاص مراسلين

السودان – تواصل «مراسلين» فتح ملفات التزوير في منظومة التعليم العالي بالسودان، فبعد نشرها لتحقيق صحفي لواحدة من أخطر الفضائح التعليمية المرتبطة بشهادات مزورة بمدارس مداد التعليميةالإلكترونية، تطفو إلى السطح اليوم قضية جديدة تمس أعرق الجامعات السودانية، بدأت باستقالة مثيرة للجدل داخل جامعة الخرطوم، وأعادت طرح أسئلة شائكة حول سلامة السجلات الأكاديمية وسيادة البيانات في زمن الحرب.


وفي هذا السياق ، أثار منشور كتبه البروفيسور بجامعة الخرطوم السودانية علي رباح- على-صفحته الشخصية بفيسبوك- الأربعاء الماضي، موجة من الجدل, معلنا فيه استقالته من منصب أمين الشؤون العلمية بالجامعة لأسباب تتعلق بتمكين – أطراف لم يسمها- بالوصول لسجلات الجامعة, والتغاضي عن مسار التحول الرقمي، وتشير إلى وما وصفه ب” السكوت عن محاولة تزوير الشهادات الأكاديمية “. فاتحا الباب لعاصفة من الجدل في الأوساط الأكاديمية والسياسية السودانية، طرحت الاتهامات الواردة في بيان الاستقالة تساؤلات عديدة حول محاولات اختراق السجلات الجامعية وتزوير الشهادات في ظل الفوضى التي خلفتها الحرب.

“التعليم العالي” تفند “المزاعم” وتتمسك بسيادة البيانات

في المقابل ، سارعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى إصدار بيانٍ “تفنيدي” وصفت فيه مزاعم البروفيسور رباح بأنها “لا تعكس الواقع”، مؤكدة أن حماية قواعد البيانات الأكاديمية هي “إجراء سيادي وطني” لا يقبل المساومة.

وكشفت الوزارة عن معطيات مضادة، حيث اتهمت أمين الشؤون العلمية المستقيل بتقديم طلب لتوثيق شهادات خريجي الدفعة (2023–2024) “دون تضمين التقديرات الأكاديمية”، وهو ما رفضته الوزارة واعتبرته “مخالفة جسيمة” تمس سلامة الوثائق. كما بررت الوزارة موقفها من تعليق “الشهادات الرقمية” برفضها اعتماد مستندات بصيغةPDF تحمل أختاماً ممسوحة ضوئياً ، معتبرةً إياها تفتقر لأبسط معايير الأمان الرقمي، وأعلنت في الوقت ذاته إلزام كافة المؤسسات بالعودة إلى “الأختام الحيّة” لضمان الموثوقية وفقا لما ذكره البيان .

إدارة الجامعة تخرج عن صمتها: “الغموض” أضر بسمعة المؤسسة

ولم تكن إدارة جامعة الخرطوم بعيدة عن مسرح السجال؛ إذ أصدرت بياناً توضيحياً يفند اتهامات البروفيسور رباح، معتبرة أن حديثه عن “طرف ثالث” اتسم بـ “الغموض” وألقى بظلال سالبة على منسوبي وخريجي الجامعة. وشددت الإدارة على أن الجامعة، التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن، لم تشهد أي اتهامات بالتزوير بفضل “صرامة إجراءاتها”. وفي مفاجأة إدارية، كشفت الجامعة أن البروفيسور رباح نفسه كان قد شكل لجنة للتحقق من بعض الشهادات الصادرة “قبل الحرب” ولا تزال تعمل حتى الآن، وهو ما اعتبرته الجامعة دليلاً على وجود آليات داخلية للمراجعة لا تستدعي إثارة الرأي العام. كما لوحت الجامعة باتخاذ “إجراءات قانونية وإدارية” حيال ما نُشر من اتهامات بحقها ، مؤكدة أن حماية بيانات الخريجين تظل قضية “أمن قومي” لا تقبل المساومة، معتبرة أن هناك خلطاً واضحاً في بيان الاستقالة بين عملية “استخراج الشهادة” وعملية “التحقق منها”.

“الدائرة المتكاملة”.. رحلة الشهادة من “اللجان والاجتماعات” إلى الاستخراج و التوثيق

وفي سياق تفنيد المسار الإجرائي داخل أروقة الجامعة، كشفت نائب العميد للشؤون العلمية و عميدة كلية الآداب بجامعة الخرطوم سابقا د.سلمى عمر السيد، عن منظومة رقابية متعددة المستويات تسبق استخراج أي وثيقة أكاديمية، وصفتها بـ”الدائرة المتكاملة”. وأوضحت في إفادة خاصة أن العملية تبدأ من الأقسام الأكاديمية التي تجيز نتائجها وتسلّمها لإدارة الكلية، حيث تخضع لمراجعة دقيقة من “لجنة أكاديمية”ومشرفين متخصصين لكل مستوى دراسي، قبل أن تمر بـ”مجلس الممتحنين”الذي يمنح الأستاذ حق مراجعة نتائج طلابه حضورياً، وصولاً إلى “مجلس الكلية”للتوثيق الرسمي بعد ذلك.


وأكدت السيد أن هذه التراتبية تهدف لإيجاد نظام رقابة تبادلي يجعل من الصعوبة بمكان العبث بالسجلات؛ إذ تُرفع نتائج الخريجين لاحقاً لـ”مجلس الأساتذة” للإجازة النهائية، ثم تُرسل لـ”إدارة القبول والتسجيل”لإدخالها في النظام الإلكتروني للجامعة ورفعها لوزارة التعليم العالي. وبحسب الإفادة، فإن استخراج الشهادة يتطلب مطابقة بيانات الطالب في نظام الوزارة مع تأكيد الجامعة للبيانات، بينما تتولى الكليات إصدار “شهادات التفاصيل”عقب إجازة النتائج كلياً.


وفي توصيف ميداني لعملية الطباعة، أوضحت السيد أن النتائج تُراجع أولاً من قبل “مسجل الكلية” للتثبت من الهوية والدرجات، ثم تُطبع على ورق عادي قبل نقلها في مرحلة حاسمة إلى “ورق الكتان القطني” وهو ما يعرف أيضا ب (ورق العملة). وتساءلت النائبة السابقة باستنكار عن ماهية الشهادات التي يمكنها تجاوز هذه السلسلة المرتبطة ببعضها، مشددة على أن أي محاولة لتخطي توقيعات المسجل والعميد وصولاً لتأمين أمين الشؤون العلمية، ستصطدم فوراً بآلية “المطابقة الرجعية”؛ حيث يمكن للمسجل في أي لحظة كشف أي وثيقة غريبة عن سجلاته الأصلية، مما يجعل المنظومة بناءً مؤسسياً عصياً على الاختراق الإداري أو الرقمي المنفرد.

تحديات “السيادة الرقمية”: خبير تقني يحذر من فجوة الأمان ومقاومة التغيير


وعلى الصعيد التقني، دخل خبراء تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي على خط الأزمة، حيث اعتبر المختص في مجال التكنولوجيا عمر الحاج أن الجدل الراهن حول “الشهادات الورقية” يمثل تراجعاً عن استحقاقات العصر الرقمي، مشدداً على أن الاعتماد على المستندات التقليدية بات نظاماً “عفا عليه الزمن”. وأكد الحاج أن رقمنة العملية التعليمية وبناء قواعد بيانات شاملة كانت كفيلة بتبديد حالة القلق السائدة حالياً في أوساط الطلاب والخريجين جراء تداعيات الحرب ومخاطر فقدان الوثائق.


وعزا الحاج في إفادته أن الممانعة حول التحول الرقمي إلى “التوجس من التغيير” أو محاولات الحفاظ على ثغرات إدارية، معتبراً أن النظام الرقمي هو “العدو الأول للفساد”. وفي تحليل معمق لبنية الأنظمة، أوضح الحاج أن مفهوم “الأمان” لا يتوقف عند وجود النظام من عدمه، بل في جودة وهيكلة “الخوادم” (Servers)؛ إذ يمكن لأنظمة مؤمنة أن تحتوى على ثغرات برمجية نافذة، بينما يمكن تحصين أنظمة أخرى عبر بروتوكولات تشفير متطورة.


واقترح الخبير التكنولوجي حلاً جذرياً يتمثل في تأسيس قواعد بيانات موحدة تعتمد نظاماً تأمينياً صارماً، مع تشديد الرقابة على عمليات “تسجيل الدخول” وصلاحيات الوصول للخوادم بين الوزارة والجامعة.

وأكد أن حماية “السيرفرات” والتحكم في صلاحيات التعديل داخلها هو الصمام الحقيقي لضمان سيادة الدولة على بياناتها وحمايتها من أي تدخلات غير مشروعة أو اختراقات قد تمس بمصداقية السجل الأكاديمي الوطني.


مستقبل “الشهادة الجامعية”… بين إرث الورق وضرورة البيانات المشفرة

ومع انجلاء غبار السجال بين بيان “الاستقالة ” وردود المؤسسات”، تبرز أزمة “جامعة الخرطوم” كمرآة تعكس التحدي الوجودي الذي يواجه مؤسسات التعليم العالي في السودان تحت وطأة الحرب.

فبينما يرى المدافعون عن النظام التقليدي في الجامعات والمجالس الأكاديمية صمام أمان تاريخي يحمي “عراقة الشهادة”، يحذر الخبراء في ذات التوقيت من أن التمسك بالأنظمة الورقية في عصر الشتات القسري للبيانات قد يفتح ثغرات أوسع أمام التلاعب والضياع. ويبقى السؤال المعلق وراء استقالة البروفيسور رباح وما تبعها من ردود فعل:

هل تنجح الجامعة في تحديث “ترسانتها الرقمية” لتواكب واقع النزوح في السودان والرقمنة العالمية، أم ستظل رهينة التجاذب الإداري والتقني، تاركةً آلاف الخريجين يصارعون لإثبات “شرعية وثائقهم” في منصات التوثيق الدولية التي لا تعترف بغير لغة البيانات المشفرة؟

خاص - مراسلين

شبكة مراسلين هي منصة إخبارية تهتم بالشأن الدولي والعربي وتنشر أخبار السياسة والرياضة والاقتصاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews