
الشارع الإيراني بين احتجاجات مستمرة ومسيرات موالية، دولة تحت ضغط داخلي، ومشهد إقليمي ودولي يتعامل مع إيران باعتبارها ملفاً مفتوحاً على كل الاحتمالات
ريتا الأبيض – مراسلين
لم تعد التطورات داخل إيران مجرد أخبار سياسية عابرة. ما يعيشه المواطنون منذ أسابيع هو واقع ثقيل يتقاطع فيه القمع الأمني مع الضيق الاقتصادي والقلق الاجتماعي، في وقت أصبحت فيه الحياة اليومية محكومة بالحذر والخوف والترقب. كثيرون باتوا يشعرون أن التعبير عن الرأي لم يعد حقاً طبيعياً بل مخاطرة، وأن مجرد الكلام قد يجرّ صاحبه إلى مشاكل غير محسوبة. الأزمة لم تبقَ في حدود السياسة، بل تسللت إلى تفاصيل المعيشة، إلى العلاقات بين الناس، وإلى شعور عام بأن البلد يعيش مرحلة استثنائية لا يمكن التعامل معها كأمر طبيعي.

في المدن الكبرى كما في المدن الأقل حضوراً إعلامياً، تغيّر إيقاع الحياة. حتى عندما تبدو الشوارع هادئة في بعض الأوقات، يبقى التوتر حاضراً في الأحاديث اليومية وفي طريقة متابعة الناس لما يجري. المقاطع المصورة القادمة من الداخل لم تعد تُتابع بدافع الفضول، بل بدافع القلق على المصير الشخصي والجماعي. المواطن العادي لم يعد يشعر أنه بعيد عن الحدث، بل بات جزءاً منه، حتى لو لم ينزل إلى الشارع.

تحوّل في أساليب الإحتجاج مع استمرار الحراك الشعبي
الإحتجاجات خلال الأسابيع الماضية لم تختفِ، بل تبدّلت أشكالها. في البداية ظهرت في صورة مظاهرات واسعة ومواجهات مباشرة، ثم ومع تصاعد القمع، تغيّر الشكل وبقي الجوهر. الشارع لم يصمت، بل أصبح أكثر حذراً. ظهرت تجمعات سريعة في أحياء جانبية، هتافات تُطلق من النوافذ، تحركات خاطفة تتفرق قبل وصول القوى الأمنية، وكتابات على الجدران تعود كلما أُزيلت.
هذا التحول لا يعني ضعف الاحتجاج، بل يعكس وعياً لدى الناس بكلفة المواجهة المباشرة، ومحاولة لإيجاد طرق للاستمرار دون الوقوع في الفخ الأمني. من يتابع التسجيلات القادمة من الداخل يلاحظ أن الغضب ما زال حاضراً، لكن التعبير عنه بات أكثر ذكاءً وأقل صخباً.

اللافت أن أغلب الأصوات في هذه المقاطع لا تتحدث بلغة سياسية مؤدلجة. الناس تتكلم عن حياتها، عن الغلاء، عن الخوف، عن شعورها بأن المستقبل مسدود. هذا ما يجعل ما يجري أقرب إلى انتفاضة اجتماعية واسعة، لا مجرد حراك سياسي محدود.
إنقسام إجتماعي واضح يقابله تصاعد في حالة الغضب
في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار وجود فئة من المجتمع لا تزال تؤيد النظام، وشاركت في مسيرات داعمة له. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن حجم الغضب في الشارع كبير، وأن المزاج العام في قطاعات واسعة تغيّر بشكل واضح. الإنقسام بات ملموساً داخل البيوت، بين الأصدقاء، في أماكن العمل، وحتى بين الأجيال داخل العائلة الواحدة.
كثير من الشباب يرون أن مستقبلهم يُصادر، وأن صوتهم غير مسموع، وأن الدولة تتعامل معهم باعتبارهم خطراً لا مواطنين. في المقابل، هناك من يخشى الفوضى ويخاف من إنهيار البلد. هذا التناقض لا يخفف من الأزمة، بل يعمّقها، لأنه يجعل المجتمع يعيش حالة توتر دائم، لا هدنة حقيقية فيها.

القبضة الأمنية تضرب بيد من حديد في الشارع
القمع لم يعد حدثاً استثنائياً، بل أصبح واقعاً يومياً. الإعتقالات، المداهمات، الحواجز، المراقبة، كلها صارت جزءاً من المشهد. كثير من الناس باتوا يراقبون كلماتهم، حساباتهم على وسائل التواصل، وحتى علاقاتهم الاجتماعية. الخوف لم يعد شعوراً فردياً بل مناخاً عاماً.

الإنترنت بدوره تحول إلى ساحة مواجهة. الإنقطاعات المتكررة، بطء الشبكة، صعوبة الوصول إلى التطبيقات الأساسية، كلها لم تكن مجرد أعطال تقنية، بل أدوات ضغط حقيقية أثرت على حياة الناس. طلاب تعطلت دراستهم، أعمال صغيرة توقفت، عائلات فقدت القدرة على التواصل مع أقاربها داخل البلاد وخارجها.
ومع فتح خدمة “ستارلينك” أمام الإيرانيين كمحاولة لكسر العزلة الرقمية، حاول بعض الناس الإستفادة منها، لكن تقارير تحدثت عن إستخدام أجهزة تشويش عطّلت الخدمة في أكثر من منطقة. النتيجة أن حتى البدائل لم تكن كافية لكسر الطوق بالكامل.

الأزمة الاقتصادية تفاقم حالة الاحتقان الشعبي
إلى جانب القمع، يبقى الإقتصاد عاملاً أساسياً في تفسير ما يجري. الريال الإيراني يواصل التراجع، والأسعار ترتفع بوتيرة يشعر بها الجميع. هذا ليس تحليلاً نظرياً، بل واقع يلمسه الناس يومياً في الأسواق.

كثير من العائلات باتت تختصر مصاريفها إلى الحد الأدنى، تؤجل شراء احتياجات أساسية، وتعيش قلقاً دائماً من الغد. أصحاب المهن الصغيرة يتحدثون عن تراجع الدخل، والموظفون عن رواتب لم تعد تكفي منتصف الشهر. هذا الضغط الاقتصادي لا يحتاج إلى خطاب سياسي كي يتحول إلى غضب؛ هو كافٍ بذاته لخلق بيئة مشحونة.
في كثير من الفيديوهات القادمة من الداخل، لا يتحدث الناس عن السياسة أولاً، بل عن الأسعار، عن العمل، عن الإحباط. وهذا ما يجعل الاحتجاج مرتبطاً بالمعيشة بقدر ارتباطه بالحرية.

تشكيك شعبي بقدرة الرئاسة على إحداث تغيير فعلي
الرئيس مسعود بزشكيان تحدث أكثر من مرة عن معاناة المواطنين، وعن وجود أزمة اقتصادية حقيقية، وعن ضرورة معالجة الوضع. لكن هذه اللغة لم تُترجم إلى تغيير ملموس في حياة الناس. الاعتراف بالمشكلة لا يخفف القمع، ولا يوقف الاعتقالات، ولا يعيد الثقة.
كثير من الإيرانيين ينظرون إلى الرئاسة باعتبارها موقعاً محدود التأثير أمام مراكز القرار الأساسية. لهذا، لا يُنظر إلى خطاب بزشكيان على أنه كافٍ، بل يُستقبل غالباً بشيء من الشك والإحباط.

تصاعد تحميل المرشد مسؤولية المسار السياسي والأمني
في المقابل، يبقى موقف المرشد علي خامنئي هو العامل الحاسم في شكل تعامل الدولة مع الشارع. خطاباته الأخيرة لم تحمل أي استعداد لمراجعة المسار، بل عكست تمسكاً كاملاً بالنهج الأمني ورفضاً واضحاً لأي تنازل أمام المحتجين. هذا الموقف لم يُقرأ في الشارع على أنه دفاع عن الاستقرار، بل على أنه تجاهل لمعاناة الناس وإصرار على التعامل معهم كخصوم لا كمواطنين.
بالنسبة لكثير من الإيرانيين، خامنئي لم يعد رمزاً للحماية بل جزءاً من المشكلة. تحميله المسؤولية أصبح حاضراً في الهتافات وفي النقاشات اليومية وفي المزاج العام، لأن القرار النهائي في طريقة إدارة الأزمة يبقى مرتبطاً به وبمنظومة السلطة المحيطة به.

الخسائر البشرية تعمّق الأثر الاجتماعي للاحتجاجات
مع استمرار الأحداث، تراكمت القصص الإنسانية. أسماء قتلى تنتشر، صور شباب تتحول إلى ذاكرة حية، عائلات تتحدث عن أبنائها الذين لم يعودوا. هذه القصص لم تبقَ في الإعلام فقط، بل دخلت في وجدان الناس. كل قصة فقد تعني عشرات الأشخاص الذين يعيشون الحزن والخوف والغضب في الوقت نفسه.

بالنسبة للشارع، هذه ليست أرقاماً. هذه وجوه يعرفونها أو تشبه أبناءهم. هذا ما يجعل الأزمة أعمق من مجرد صراع سياسي، ويجعل الألم حاضراً في كل نقاش تقريباً.

ارتباك في الموقف الأميركي بين التلويح بالقوة وخيار التفاوض
في الولايات المتحدة، الموقف تجاه إيران لا يزال في دائرة المراوحة. داخل فريق دونالد ترامب تُناقش خيارات متعددة، من الدبلوماسية إلى الضغط السياسي إلى السيناريو العسكري. طُرحت أمامه احتمالات تشمل ضرب منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، استهداف مواقع الصواريخ، تنفيذ هجمات سيبرانية، وحتى تعطيل منظومات الاتصال والقيادة داخل الدولة.
لكن رغم كل هذه السيناريوهات، لا يوجد قرار واضح بالتنفيذ. النقاش مستمر، والتردد حاضر، بسبب إدراك حجم التداعيات الإقليمية لأي خطوة عسكرية. ترامب لمح أكثر من مرة إلى أن استمرار قتل المتظاهرين قد يدفع نحو خيارات أكثر قسوة، لكنه في الوقت نفسه ترك الباب مفتوحاً أمام فكرة التفاوض. النتيجة أن الموقف الأميركي يبدو حتى الآن قائماً على التلويح بالقوة أكثر من الذهاب إليها فعلياً.

تباين المواقف الإقليمية والدولية حيال التطورات في إيران
إسرائيل تتابع ما يجري من زاوية أمنية بحتة. أي ضعف داخلي في إيران يُعتبر مكسباً استراتيجياً، لكن هناك أيضاً خوف من أن يدفع الضغط المفرط النظام إلى تصعيد خارجي. لذلك يسود منطق الاستعداد الدائم دون اندفاع علني كبير.

تركيا تنظر إلى إيران كجار مباشر، وأي اضطراب كبير فيها ينعكس عليها سياسياً، أمنياً واقتصادياً. لهذا يظهر في خطابها تركيز على ضرورة تجنب الفوضى، حتى لو كان ذلك يعني التعامل مع واقع لا يرضي الجميع.

أما أوروبا، فاكتفت بمواقف سياسية تنتقد طريقة التعامل مع الاحتجاجات وتدعو لإحترام الحقوق، لكن تأثيرها العملي بقي محدوداً.

الإحتجاج مستمر والإتجاه مازال غير محسوم
ما يجري في إيران اليوم لم يعد أزمة عابرة ولا موجة احتجاج يمكن احتواؤها بالوقت أو بالقوة. الشارع تغيّر جذرياً، الثقة بين المجتمع والسلطة انهارت، والغضب لم يعد حالة مؤقتة بل واقعاً متجذراً. كل أدوات القمع التي أستُخدمت لم تُنهِ الحراك، بل دفعته إلى أشكال أكثر انتشاراً وأصعب على السيطرة. الإقتصاد ينهار، الخوف يتوسع، والناس تدفع الثمن يومياً في معيشتها وأمنها ومستقبلها.

في المقابل، تبدو السلطة مصرة على الإنكار والمواجهة الأمنية بدل الاعتراف بحجم الأزمة. الرهان لم يعد على الحل، بل على الإستنزاف. إستنزاف الشارع، إستنزاف المجتمع، وإستنزاف الوقت، وكأن البلد كله يمكن أن يُدار بمنطق القوة وحدها.
إيران اليوم ليست أمام أزمة سياسية فقط، بل أمام شرخ عميق بين السلطة والمجتمع يصعب رأبه.
السلطة تراهن على القمع…والشارع يراهن على الصمود.
وبين هذين الرهانين، لم يعد السؤال: هل ستنتهي الأزمة؟
بل السؤال الأخطر: إلى أي حد يمكن أن يذهب هذا الصدام قبل أن ينفجر المشهد بالكامل؟





