تقارير و تحقيقات

من الخزينة إلى التبرعات: كيف أصبحت التنمية في السودان مسؤولية المواطنين؟

تحقيق: نشوة أحمد الطيب – مراسلين

هل أصبحت التنمية في السودان عبئًا يتحمّله المجتمع بدلًا عن الدولة؟

سؤال لم يعد نظريًا، في ظل تمدّد المبادرات الشعبية التي تموّل التعليم، وتسدّ فجوات الصحة والرعاية الاجتماعية، بينما تتراجع أدوار التمويل العام أو تغيب عن المشهد.

هذا التحقيق لا يوثّق الظاهرة فحسب، بل يضعها تحت المساءلة: كيف انتقل عبء التنمية من الخزينة العامة إلى جهود المواطنين؟ وأين تقف الدولة بمنظوماتها المختصة أمام هذا التحوّل؟

“العصب الأساسي”

يصف الأستاذ إبراهيم علي ساعد، أحد فاعلي المجتمع بمحلية شرق النيل بولاية الخرطوم، وهو من السكان المقيمين بالمنطقة، واقع المبادرات الشعبية بوصفها «العصب الأساسي» للحياة اليومية في الآونة الأخيرة، في ظل الحرب وتراجع الخدمات الرسمية. فبحسب إفادته، أسهم ما يُعرف بـ«النفير» والتكافل المجتمعي، وبدعم من الخيرين والمنظمات، في تشغيل آبار مياه بالطاقة الشمسية، وتنفيذ حملات نظافة، وترميم وتجميل المدارس، إضافة إلى إعادة تشغيل مراكز صحية طرفية، وهو ما انعكس على استقرار المواطنين وتشجيع عدد منهم على العودة إلى منازلهم.

“عمل إغاثي.. ضحايا دارفور” 

يستعرض آدم موسى أوباما، المدير التنفيذي لمنظمة مناصرة ضحايا دارفور، مسار عمل المنظمة في ظل الحرب، موضحًا أنها تأسست بصورة كاملة عام 2023، وتتخذ من مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور مقرًا رئيسيًا، قبل أن توسّع نطاق وجودها بفتح مكتب ثانٍ في أوغندا، إلى جانب فروع في تشاد وليبيا وجنوب السودان، مع تصاعد النزوح واتساع رقعة الصراع.

ويشير إلى أن عمل المنظمة يتركز على توزيع المساعدات الإنسانية، ورصد وتوثيق أوضاع النازحين واللاجئين، وتنفيذ برامج مرتبطة بالعدالة والمحاسبة والتغير المناخي. 
وخلال عام 2024، نفّذت المنظمة—بشراكة مع منظمة الأمل والملاذ للاجئين—برامج دعمت أكثر من 350 ألف أسرة، شملت سلالًا غذائية ومطابخ جماعية للمدنيين في الفاشر ونيالا وزالنجي والضعين وطويلة وكورما ومليط، إضافة إلى لاجئين في أوغندا داخل معسكري كرياندونجو وسيتا، والمجتمع الأوغندي المضيف، ولاجئين في تشاد.

ويمتد هذا الجهد، بحسب أوباما، إلى القطاع الصحي، حيث شمل الدعم أكثر من 40 مركزًا صحيًا ومستشفى في مناطق متفرقة، لا سيما خلال فترة جائحة كورونا، إلى جانب تنفيذ برامج نوعية، أبرزها مشروعات “حقيبة الكرامة” للنساء، التي نُفّذت في شرق وشمال وجنوب دارفور، واستهدفت نازحين فرّوا من الفاشر والخرطوم وطويلة وبابنوسة والأبيض نحو معسكرات شرق دارفور.

وفي التعليم، يتحدث عن إنشاء مدرسة الجيل الابتدائية داخل معسكر رواندا للنازحين بمحلية طويلة في شمال دارفور، وتضم ثمانية فصول، وتعد أول مدرسة داخل معسكر يأوي أكثر من مائتي ألف شخص، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للتلاميذ. 

أما في المياه، فقد شملت التدخلات توفير مياه الشرب للنازحين في مسارات النزوح من الفاشر إلى طويلة، وتقديم الغذاء والمياه على الطرق، إلى جانب تدخلات في ولايات أخرى، من بينها الجزيرة.

ويؤكد أن معظم هذه المشروعات اعتمدت على الجهد الشعبي، خاصة بعد انسحاب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في يناير 2025، حيث انقطع أي دعم مؤسسي، وأصبحت التبرعات الشخصية من السودانيين ومحبي العمل الإنساني المصدر الأساسي للتمويل. ويضيف أن التمويل يأتي بدرجة كبيرة من المغتربين في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوروبا ودول الخليج، ويُدار عبر الحسابات الرسمية للمنظمات، مع تقديم تقارير مالية للمانحين.

مبادرات تعليمية – الخرطوم والشمالية

توضح رحاب عزالدين موسى، المدير التنفيذي لمنظمة جرعة أمل، أن المنظمة نفذت منذ 2013 مشاريع واسعة في مجالات التعليم والصحة والسقيا في الخرطوم وأطرافها والولاية الشمالية. 

وتشمل المشاريع، بحسب إفادتها، صيانة مرافق المدارس، مثل الحمامات ومصادر المياه، وبناء مدارس كاملة ورياض أطفال في مواقع تجمع قرى متعددة، مع التركيز على المدارس ذات أعداد الطلاب الكبيرة لتوسيع الأثر المجتمعي.

 وتضيف أن منظمة جرعة أمل اختارت المشاريع بعناية لتربط القرى وتخدم أكبر عدد ممكن من الطلاب، مع تقديم برامج تدريبية للمعلمين تشمل الإسعافات الأولية، وورش توعوية، وتأهيل في طرق التدريس الحديثة وأدوات الحصص.

وتوضح رحاب أن التمويل كان متنوعًا، بدءًا من المغتربين والجهد الشعبي، ثم توسع ليشمل البنوك والشركات والمؤسسات التي أقامت شراكات لدعم المشاريع، مع تنفيذ دقيق عبر مقاولين وإشراف مستمر حتى اكتمال المشاريع، ثم التسليم لإدارة المدرسة، مع الاحتفاظ بسجلات مالية مفصلة لكل مشروع.

مبادرات متكاملة – النيل الأبيض

يشرح محمد علم الهدي الصديق الخليفة، رئيس منظمة العليقة الشيخ التنموية، أن مبادرات الجهد الشعبي في قريته العليقة الشيخ بمحلية قلي بولاية النيل الأبيض بدأت منذ العام 2016، مع أول تجربة لدعم مشروع الكهرباء في المنطقة، قبل أن تتجدد في عام 2025 عبر تأسيس جمعية طوعية حشدت لها عضوية واسعة داخل السودان وخارجه.

ويستعرض الخليفة المشروعات التي نفذتها الجمعية، والتي شملت تأهيل المستشفى، تأسيس ستة فصول دراسية وعنبر باطني وحضانة أطفال حديثي الولادة، بناء 33 بئرًا للمياه، تأهيل المرافق التربوية في ست مدارس، تركيب منظومات طاقة شمسية في المستشفى، ودعم مراكز الامتحانات وتوفير الأجلاس وإدخال الكهرباء للمدارس. وتغطي هذه المشاريع قطاعات التعليم والصحة والمياه، مع أثر واسع على السكان، حيث يستفيد من المستشفى والمياه نحو 50 ألف نسمة في المنطقة والمناطق المجاورة.

 ويشير الخليفة إلى أن هذه المبادرات غيّرت العلاقة بين المجتمع والدولة، إذ نقلت السكان من انتظار الخدمات إلى المشاركة الفعلية في إنتاجها، وأصبح الجهد الشعبي مكملًا للجهد الرسمي، مع انعكاسات إيجابية على الوعي المجتمعي وحماية المؤسسات وتأهيل الفئات المختلفة.

رعاية أطفال مرضى السرطان – استراحات جوانا أمل

يشير علاء الدين إدريس، الأمين العام لاستراحات جوانا لرعاية الأطفال مرضى السرطان، التابع لمنظمة “كلنا قيم”، إلى أن المنظمة الوطنية الشبابية مسجلة لدى مفوضية العمل الإنساني منذ العام 2014. يوضح إدريس أن أول استراحة للمشروع، استراحة جوانا أمل 1 في الخرطوم، تأسست في بداية عام 2017، بهدف إيواء الأطفال مرضى السرطان القادمين من الولايات مع ذويهم، وتقديم كافة الخدمات لهم، بما في ذلك السكن والغذاء والترحيل والعلاج.

ويضيف إدريس أن المشروع يمتلك اليوم أربع استراحات، تشمل جوانا أمل 2 في ود مدني، وجوانا أمل 3 في دارفور قبل الحرب والتي كانت تُعرف باسم “جسر وصول” لضمان الوصول السريع للأطفال، واستراحة حالية في مروي. وكان الهدف من هذه الاستراحات ضمان وصول الأطفال إلى العلاج بشكل آمن ومريح، مع توفير بيئة مناسبة لهم ولذويهم لمواجهة المرض.

ويؤكد إدريس أن المستفيدين المباشرين من هذه الاستراحات هم الأطفال مرضى السرطان وأهلهم القادمين من الولايات، حيث تُقدَّم لهم كافة المعينات اللازمة لمجابهة المرض. ويشير إلى أن مصادر التمويل الرئيسية للمشروع كانت الهبات والمنح ودعم الأفراد، إلى جانب دعم المؤسسات عبر المسؤولية المجتمعية قبل الحرب، بينما أصبح حاليًا معظم الدعم يأتي من المغتربين السودانيين بالخارج بشكل منتظم، خاصة عند تسليط الضوء على حالات الأطفال المرضى. ويشدّد إدريس على أن المشروع لم يتلقَ أي دعم حكومي، لا في فترة الحرب ولا قبلها، وأن استمرار الخدمات يعتمد بالكامل على المبادرات الشعبية والتبرعات الفردية.

ويؤكد إدريس على الحاجة الماسة إلى دعم ثابت من الجهات الحكومية، وتوفير مبنى دائم للاستراحات بدلاً من المباني المستأجرة، ويرى أن المسؤولية يجب أن تقع على عاتق وزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية، أو مناصفة بينها وبين وزارة الصحة. ويختم حديثه بتوجيه رسالة إلى كل الجهات الحكومية والخاصة، داعيًا إلى الالتفات لقضية هؤلاء الأطفال الذين داهمهم المرض في عمر مبكر وفي ظروف صعبة، مشيرًا إلى أن وقوف الناس معهم يمثل دعمًا كبيرًا يعينهم ويساعدهم على مواجهة التحديات الصحية والإنسانية.

مهاد .. “مبادرات وطنية – تغطية شاملة لكل الولايات”

تعرف مهاد عصام الدين صالح نفسها بأنها متطوعة محبة لبلدها، وهي مطلعة بشكل مباشر على المبادرات الشعبية منذ عام 2019، وتشير إلى أن هذه المشروعات تغطي كل ولايات السودان، مستهدفة أي منطقة تحتاج إلى تدخل تطوعي أو تعرضت لانتكاسة، مع ملاحظة أن الإحصاءات الدقيقة للمشروعات كثيرة جدًا ولا تُحصى، لكونها نتاج جهد استمر لست سنوات.

وتشمل أنشطة هذه المبادرات تنفيذ آبار في منطقة كردفان وخارجها، وإنشاء تكايا ومطابخ في معظم الولايات، إضافة إلى توزيع حقائب رمضانية للأرامل والأيتام، ودعم المدارس، ومشروعات علاجية فردية كانت تتم قبل الحرب. ويركز العمل على المواطن المحتاج بغض النظر عن القطاع، وتتنوع المشروعات بين تأسيس جديدة كليًا وصيانة واستكمال مرافق قائمة، مع أن معظمها صغير أو متوسط الحجم، إلا أن تأثيرها المجتمعي كبير.

وتوضح مهاد أن الممول الأساسي لهذه المبادرات هو الشعب السوداني والمواطن السوداني، سواء في الداخل أو المغتربون بالخارج، وأن العمل يتم تحت إشراف فردي تطوعي أو إشراف المنظمات الخيرية والجهات المحلية المسؤولة عن المنطقة التي تمنح التصاريح الرسمية، بعيدًا تمامًا عن أي لجان شعبية. وتشير إلى أن المشروعات الصغيرة تُدار بشكل فردي.

وتؤكد مهاد أن بعض المشروعات مستمرة، مثل الآبار، بينما تعطلت أخرى بسبب الحرب التي أوقفت كل شيء، وأن المبادرات أسهمت في سد فجوة خدمية حقيقية وتسهيل حياة السكان، رغم أن بعضها يمثل حلولًا مؤقتة مرتبطة بالوضع الأمني، مشيرة إلى اعتماد الجهات الرسمية على الجهود التطوعية في الوقت الراهن للقيام بالكثير من الأعمال.

وفي سياق متابعة المبادرات في الفاشر، بينت مهاد أن جهود التطوع بين 28 أكتوبر وحتى نهاية ديسمبر من العام 2025 بلغت 330 مليون جنيه سوداني، موزعة على عدة مواقع:

معسكر العفاض الدبة: 125 مليون جنيه لـ600 أسرة لمدة شهرين، شملت وجبات يومية، ذبائح، حقائب صحية نسائية، بطاطين، سيوترات أطفال، سراير، وترحيل، بالإضافة إلى مواد عينية من الخيرين تحت إشراف المتطوع.

معسكر كورما: 100 مليون جنيه لشراء مواد غذائية لـ550 أسرة، وحقائب صحية ومواد نظافة.

معسكرين بدائرة طويلة: 70 مليون جنيه لتوفير وجبات وفرشات أرضية ودفايات وأوانٍ منزلية وحقائب صحية تحت إشراف

معسكر خزان جديد بمحلية شعيرية: 35 مليون جنيه لـ250 أسرة لتغطية الغذاء والدفايات والفرشات والأواني وبعض الحالات العلاجية.

شارع الحوادث عطبرة: مبادرة صحية مجتمعية

م. عبد الباسط محمد حسن، عضو فريق الإعلام في منظمة شارع الحوادث عطبرة، أوضح أن المبادرة بدأت نشاطها في مارس 2013م، مستلهمة من تجربة شارع الحوادث في الخرطوم، وسُجّلت رسميًا في أكتوبر 2014م لدى مفوضية العون الإنساني. وتهدف المبادرة إلى مساعدة الأطفال والأسر المتعففة في الحصول على الخدمات الصحية الأساسية، من دواء وفحوصات وإسعاف وإجراء عمليات جراحية.

منذ تأسيسها، سعت المبادرة إلى سد فجوة حقيقية في الوصول للخدمة الصحية، من خلال توفير الدواء، وإجراء الفحوصات الطبية، وتغطية تكاليف العمليات الجراحية، وتقديم الإسعافات للحالات الطارئة، إضافةً إلى التنسيق مع المتبرعين لتوفير الدم، وتوزيع الإفطار اليومي لمرضى غسيل الكلى، وصولًا إلى إنشاء أول مشروع متكامل لقسم حديثي الولادة بدعم كامل من المجتمع في 2016م، وتوسعت الجهود لاحقًا لتشمل دور ومراكز الإيواء خلال حرب أبريل 2023م، حيث وصلت المبادرة في 2025م إلى نصف مليون صائم خلال شهر رمضان.

وتتضمن أنشطة المبادرة مشاريع صحية نوعية، شملت إنشاء قسم حديثي الولادة المتكامل، وإنشاء وتأهيل قسم العناية الوسيطة للأطفال، وتأهيل عنابر الأطفال والحالات الحرجة، وتوفير أجهزة غسيل كلى وثلاجتين لحفظ الدم، وتدعيم قسم العيون، إلى جانب إنشاء استراحة “البيت الكبير” المجانية التي تخدم أكثر من أربعين مريضًا وأربعين مرافقًا، مزوّدة بالطاقة الشمسية وتجهيزات متكاملة. 

كما شملت المبادرة مشاريع تدخل في الكوارث والأزمات، مثل إنشاء مركز غسيل كلى خلال جائحة كورونا، ودعم مراكز العزل أثناء الأوبئة، وتدخلات واسعة خلال حرب أبريل 2023م لتغطية الاحتياجات الطبية والإنسانية. وتشمل أيضًا مشاريع الشراكات مع المجتمع والمؤسسات، مثل قسم محمد أحمد صالح لغسيل الكلى، ودعم مركز السكري ومركز غسيل الكلى بأدوية ومستلزمات طبية، بالإضافة إلى المخيمات العلاجية ومخيمات العيون للوافدين.

“سوهندا” حين يصنع المجتمع خدماته بنفسه

تقول سوهندا عبد الوهاب، وهي محامية ومتطوعة، إن مبادراتها انطلقت بمجهود مجتمعي خالص وتعب مباشر من المجتمع، دون أي تمويل مؤسسي، واستهدفت منذ بدايتها سد احتياجات أساسية في التعليم والصحة والمياه.

 وتشير إلى أن العمل شمل بناء مدرسة للمرحلة المتوسطة بشرق النيل، تحديدًا في قرية الشريق، إلى جانب تنفيذ مشروعات للطاقة الشمسية، وحفر آبار، وتوفير مبردات حرارية للمدارس. وتضيف أن المبادرات امتدت كذلك إلى إسناد القوات المسلحة في الخطوط الأمامية، والعمل في مجالات العلاج والإطعام والسقاية، فضلًا عن تنظيم بازارات خيرية للأرامل والأسر المنتجة، أسفرت عن توزيع مئة مشروع إنتاجي لمئة أرملة.

وتوضح سوهندا أن التمويل اعتمد حصريًا على المجتمع، سواء من الداخل أو من المغتربين، حيث تراوحت التبرعات بين مبالغ بسيطة، كخمسمئة أو ألف جنيه، ووصلت في بعض الحالات إلى ثلاث مليارات جنيه من متبرع واحد.

 وتؤكد أن إدارة الأموال تتم عبر تطبيق «بنكك» وكشوفات الحسابات البنكية، بينما جرى تنفيذ العمل الميداني في المناطق البعيدة عبر أشخاص خدميين ومطابخ لامركزية، مثل مطبخ عطبرة وشرق النيل.

وتستعيد المتحدثة صعوبات واجهت المبادرة، على رأسها انقطاع شبكات الاتصالات، ما أعاق التحويلات المالية واضطر القائمين إلى الشراء بالدَّين من المحال التجارية، حتى بلغت المديونية في إحدى الفترات قرابة عشرين مليار جنيه قيمة وجبات فقط، قبل أن تُسوّى لاحقًا.

وتبيّن سوهندا أن إدارة المشاريع، بعد اكتمالها، تؤول مباشرة إلى سكان المناطق بالتنسيق مع المتطوعين، من دون تدخل حكومي في التشغيل، موضحة أن مشروعات مثل الآبار والمدارس ذات طابع مستديم، في حين ترتبط خدمات الإطعام باستمرارية الخدمة، مع تحمل المبادرة تكاليف صيانة المعدات التي وفرتها، مثل المبردات. وترى أن الأثر المجتمعي الأبرز تمثل في تعزيز التكاتف والترابط.

الإطار الدستوري وحدود الجهد الشعبي

يقدّم المحامي السوداني مجاهد عثمان، رئيس الإدارة القانونية للمنظمة الوطنية لحماية الطفولة، إفادته انطلاقًا من الإطار الدستوري الذي يحكم مسؤولية الدولة في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، باعتبار الدستور القانون الأعلى الذي يحدد شكل الدولة ونظام الحكم والحقوق والحريات.

 ووفق هذا الإطار، فإن الرقابة الدستورية على أداء السلطة التنفيذية منوطة بالبرلمان، بوصفه الجهة المختصة بمساءلة المسؤولين، واستجواب الوزراء، وتلقي شكاوى المواطنين، ورفع الحصانات عند الضرورة، وصولًا إلى الإحالة للمحاكم بعد استكمال المساءلة داخل المؤسسة التشريعية.

 غير أن هذه الآلية، بحسب إفادته، ظلت عمليًا معطلة منذ حل البرلمان في أبريل 2019، في ظل غياب رؤية دستورية واضحة، إضافة إلى أن دور البرلمان في فترات سابقة كان في كثير من الأحيان دورًا صوريًا.

ويرى أن اعتماد المواطنين المتزايد على المبادرات الشعبية يمثل دليلًا مباشرًا على تقصير الدولة، ومحاولة من المجتمع لسد فجوة كان يفترض أن تغطيها مؤسسات الحكم. فلو اضطلعت الدولة بالتزاماتها كاملة، لما اضطر المواطنون لتحمّل أدوار خدمية أصيلة تتجاوز طبيعة العمل المجتمعي التطوعي.

ويؤكد أن العلاقة بين المواطن والدولة يحكمها الدستور ذاته؛ فالمجتمع، عبر البرلمان المنتخب، يرسم ملامح الدولة القانونية ويحدد الحقوق والواجبات، بينما يلتزم المواطن باحترام القوانين، وتلتزم الدولة بتوفير الحد الأدنى من الحقوق وصون الأمن وفق الضوابط القانونية.

 وفي هذا السياق، تندرج المبادرات الشعبية والعمل التطوعي والإنساني تحت مظلة قانونية واضحة، إذ تخضع لمفوضية العون الإنساني التابعة لوزارة الرعاية الاجتماعية، التي ينظم قانونها كيفية إدارة هذه المبادرات وضبط عملها.

ويشير إلى أن قانون تنظيم العمل الطوعي والإنساني لسنة 2006 يشكل الإطار التشريعي الرئيسي المنظم لعمل المنظمات الطوعية والخيرية في السودان، من حيث إجراءات التسجيل، والأهداف، وضوابط التمويل، واستقطاب الأموال الأجنبية عبر مفوضية العون الإنساني، مع التأكيد على مبادئ الشفافية والتنسيق. كما يمنح القانون امتيازات، من بينها الإعفاءات الضريبية على الأموال المخصصة للأعمال الإنسانية، وينظم آليات تعديل أغراض المنظمات وتصفية أموالها.

وفيما يتعلق بتولي المواطنين تشغيل المرافق العامة، يوضح أن الأمر بالغ الصعوبة في الواقع العملي، لأن المرفق العام بطبيعته يرتبط بهياكل وظيفية وإدارية كاملة تابعة للدولة، ما يجعل تشغيله الكامل خارج نطاق القدرة المجتمعية.

 ويؤكد أن أقصى ما يمكن أن يقوم به المواطنون هو التمويل أو الدعم، بينما يظل التشغيل مسؤولية الدولة، مع وجود استثناءات ينظمها القانون في إطار القطاع الخاص، كالمستشفيات أو المدارس الخاصة وفق ضوابط محددة.

ويبين أن المشروعات المستدامة أو التي تمتلك أصولًا ثابتة تؤول ملكيتها إلى الدولة بموجب قانون 2006 عبر مفوضية العون الإنساني، كما أن أصول المنظمات المسجلة نفسها تؤول للدولة عند التصفية.

 وينطبق الأمر ذاته على الأوقاف، إذ يسمح القانون بالتبرع بالأموال أو الممتلكات وتحويلها إلى وقف، لتصبح في نهاية المطاف مالًا عامًا يُدار عبر الدولة وفق معايير قانونية محددة.

أما الحماية القانونية للمتطوعين، فيوضح أنها ليست مطلقة، بل مرتبطة بحدود عملهم وفقًا للقانون ودستور المنظمة، وتخضع للرقابة والمساءلة. ففي حال التقصير، تتم المساءلة القانونية، وإذا ثبت تحويل أموال أو أصول المنظمة إلى منفعة شخصية، يتحول الأمر إلى جريمة جنائية باعتبارها خيانة أمانة وفق القانون الجنائي السوداني.

ويشير إلى أن استدامة المشروعات ترتبط بملكيتها ونظام إدارتها؛ فإذا كانت تابعة لمنظمة، تُدار وفق دستورها ولوائحها، وإذا حدث خرق قانوني، تؤول الأصول إلى الدولة عبر المفوضية التي تقرر لاحقًا مصيرها. ويؤكد في ختام إفادته أن الجهد الشعبي لا يتعارض مع أي من مبادئ الحياة العامة، بل يمثل تكاملًا مجتمعيًا لسد النقص في الخدمات، غير أن المشكلة الجوهرية في السودان، من وجهة نظره، لا تكمن في نقص القوانين، بل في غياب الإرادة الفعلية لتطبيقها، إذ إن الترسانة التشريعية موجودة، لكن العلة المزمنة ظلت في تعطيل النصوص لا في غيابها.

مفوضية العون الإنساني ..تنسيق الدولة وسند الجهد الشعبي

يوضح غازي حسين، مسؤول الإعلام بمفوضية العون الإنساني، أن المبادرات الشعبية التي نشطت في دعم الأسر النازحة بعدد من ولايات السودان تمثل جهدًا إنسانيًا طوعيًا قاده أفراد وخيّرون، ولا يتعارض بأي حال مع دور المفوضية أو عمل المنظمات الوطنية والدولية. ويشير إلى أن تعقيدات الأوضاع الإنسانية دفعت بعض المناطق للاعتماد بصورة أساسية على هذه المبادرات لسد احتياجات عاجلة.

ويبيّن أن المفوضية العامة للعون الإنساني تضطلع بمسؤولية تقديم المساعدات الإنسانية لمراكز الإيواء ومعسكرات النزوح عبر المفوضيات الولائية والمنظمات الوطنية، وتشمل الغذاء والإيواء والكساء، إلى جانب دورها في تنسيق عمل المنظمات الأجنبية من خلال إصدار أذونات الدخول وتنظيم حركة العاملين والأنشطة الإنسانية داخل البلاد.

ويصف حسين المبادرات الشعبية بأنها نموذج إنساني متقدم يعكس قيم التكافل والكرم ووحدة النسيج الاجتماعي السوداني في أوقات الشدة، مستشهدًا بما جرى في معسكر العفاض بمحلية الدبة عقب نزوح سكان مدينة الفاشر، حيث شهدت المنطقة حشدًا مجتمعيًا واسعًا من مواطني الولاية الشمالية لدعم الوافدين، في مشهد يجسد – بحسب إفادته – قدرة المجتمع السوداني على التماسك والتضامن في مواجهة الأزمات.

المغتربون ودعم الاستجابة المجتمعية في السودان

وفق إفادات المنظمات والمبادرات المجتمعية، وصل عدد المستفيدين من مشاريع التطوع والخدمات الإنسانية في السودان إلى أكثر من مليون شخص سنويًا، شمل ذلك الأطفال مرضى السرطان وذويهم في استراحات “جوانا” الأربع، وأسر النازحين والمحتاجين في مبادرة شارع الحوادث عطبرة، التي بلغ عدد الصائمين في رمضان 2025 فقط نصف مليون صائم، إلى جانب المستفيدين من مبادرات سوهندا عبدالوهاب في شرق النيل وعددهم آلاف، وتغطية أكثر من 1600 أسرة ضمن مبادرة الفاشر بين أكتوبر وديسمبر، حيث أنفقت المبادرة 330 مليون جنيه سوداني على معسكرات العفاض الدبة، وكورما، وطويلة، وخزان جديد، شملت وجبات يومية، ذبايح، حقائب صحية، بطاطين، سيوترات أطفال، سراير، ترحيل، مواد غذائية ودفايات.

وتشير جميع الإفادات إلى أن جزءاً كبيرًا من التمويل جاء من المغتربين السودانيين بالخارج، من تبرعات صغيرة تصل إلى 500 أو 1000 جنيه، وحتى مساهمات ضخمة تصل إلى 3 مليارات جنيه من متبرع واحد، ما مكّن هذه المبادرات من الاستمرار وتقديم خدمات مباشرة لمئات الآلاف من الأسر، رغم غياب الدعم الحكومي أو محدوديته.

 وتعكس هذه الأرقام دور المغتربين كرافد أساسي للاستجابة الإنسانية، حيث ساهموا في سد فجوات الرعاية الأساسية، وتحقيق استمرارية المشاريع التي تقدم الغذاء، الإيواء، العلاج، والمستلزمات التعليمية والطبية للمحتاجين.

وأكدت جميع المنظمات التي وردت إفاداتها في التحقيق في حديثها لـ مراسلين أن دور الدولة محدود يقتصر غالباً على الإشراف ومنح التصاريح.

رؤية رسمية للرعاية والإيواء بحسب حديث الوزير لـ مراسلين

وفي إفادته لـشبكة “مراسلين”، أوضح وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية السوداني، د. معتصم أحمد صالح، أن دور الوزارة في المرحلة الراهنة يتجاوز منطق الاستجابة الظرفية إلى بناء منظومة حماية اجتماعية متكاملة، تُعدّ فيها خدمات الإيواء مكوّنًا أساسيًا لا غاية قائمة بذاتها. ويرى أن الوزارة، بوصفها الجهة السيادية المسؤولة عن ضمان الحق في الرعاية الاجتماعية، تنطلق من تشخيص دقيق للفئات الأكثر هشاشة في ظل الحرب والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وفي مقدمتهم النازحون، والنساء بلا عائل، والأطفال المعرضون للخطر، وكبار السن، وذوو الإعاقة، والمشردون، ثم تعمل على تنسيق الجهود الحكومية والمجتمعية والدولية لتوفير إيواء مؤقت آمن مرتبط بخدمات الرعاية الأساسية.

ويؤكد الوزير، في حديثه لـ«مراسلين»، أن الإيواء لا يُنظر إليه كسقف وجدران فقط، بل كمدخل لحزمة حماية متكاملة تشمل الرعاية الصحية، والدعم النفسي والاجتماعي، والتغذية، والحماية القانونية، والتأهيل الاجتماعي والاقتصادي، بما يهيئ المستفيدين للاندماج مجددًا في مجتمعاتهم أو العودة الآمنة إلى مناطقهم متى ما توفرت الظروف.

ويشير إلى أن الوزارة تعمل على تطوير حصر وقاعدة بيانات قومية للمبادرات المجتمعية بالتنسيق مع حكومات الولايات والجهات الشريكة، لتكون قاعدة عملية وميدانية تشمل الموقع، ونوع الخدمة، والفئات المستهدفة، وحجم الاحتياج، ومستوى الالتزام بالمعايير، أخذاً في الاعتبار الطبيعة المتغيرة لهذه المبادرات واتساع نطاقها الجغرافي.

ويصف معتصم العلاقة مع المبادرات الشعبية بأنها علاقة شراكة وتكامل، إذ تمتلك سرعة الحركة والانتشار والقبول المجتمعي، فيما توفر الوزارة الإطار المؤسسي والمعايير والتنظيم والتنسيق، وربط هذه الجهود بمنظومات الدولة المختلفة. ويضيف أن دعم الوزارة يكون في الغالب غير مباشر عبر التنسيق والإحالة وتحديد الفئات المستحقة، وتوفير المظلة الفنية وبناء القدرات، مع إمكانية تقديم دعم مباشر محدود لبعض الخدمات وفق الإمكانات والمعايير.

ويثمن الوزير الجهد الشعبي عاليًا، معتبرًا إياه خط الدفاع الأول في عدد من المناطق، لكنه يؤكد أن هذا الجهد لا يمكن أن يكون بديلًا عن دور الدولة، بل شريكًا مساندًا لها، مشددًا على أن مسؤولية الدولة في الرعاية الاجتماعية تظل دستورية وأخلاقية، تقوم على وضع السياسات وضمان الاستدامة والعدالة، فيما يسهم المجتمع في تعزيز التماسك والاستجابة السريعة.

ويختم حديثه لـ«مراسلين» بالتأكيد على أن الوزارة تسعى إلى تأسيس برنامج وطني للرعاية والإيواء المؤقت، وربط المبادرات المجتمعية ضمن إطار رسمي مستدام، يحفظ كرامة الإنسان ويؤسس لمنظومة رعاية اجتماعية أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات.

«وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي: غياب الإفادة الرسمية وسط متابعة مراسلين»

تواصلت شبكة «مراسلين» رسميًا مع المكتب الإعلامي لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي في السودان في السادس من يناير 2026، وأرسلت رسالة موقعة وموجهة إلى الوزير د. جبريل إبراهيم محمد، تشتمل على مجموعة من التساؤلات حول موازنة الدولة للقطاعات الاجتماعية، والفجوات التمويلية، وأولويات الصرف، ودور المبادرات الشعبية والمغتربين في سد الاحتياجات. ورغم تعاون المكتب الإعلامي واستجابته الدائمة للمتابعة، لم تتوصل «مراسلين» بالإفادة الرسمية حتى تاريخ نشر التحقيق، لتظل المحاولات مستمرة عبر المراسلات اليومية لتلقي رد رسمي.

كانت الأسئلة المطروحة تهدف إلى تحديد حجم الإنفاق الفعلي في الموازنة للقطاعات الاجتماعية والخدمات الأساسية، ومعرفة مدى وجود فجوات تمويلية دفعت المواطنين للاعتماد على المبادرات الشعبية، وما إذا كانت هناك مخصصات فعلية لهذه المشاريع على أرض الواقع، وأسباب عدم وصول التمويل، وكيفية دمج المبادرات المجتمعية ضمن التخطيط المالي، مع حرص على الاستفسار عن التزام الوزارة المستقبلي لتقليل اعتماد المجتمع على التبرعات، وسبل ضمان العدالة في توزيع الموارد بين المناطق، وأولوية الصرف في الموازنة العامة.

وعليه، يظل هذا الجزء من التحقيق شاهدًا على الجهود الرسمية لتوفير المعلومات وإحقاق حق الرد، في حين يستمر الاعتماد الفعلي على الإفادات المجتمعية والمنظمات الشعبية والمغتربين لتسليط الضوء على واقع التمويل والخدمات، بما يعكس فجوة واضحة بين السياسات المخططة وواقع التنفيذ على الأرض.

Nashwa Ahmed

صحفيةٌ سودانيةٌ متخصِّصةٌ في التحقيقات الصحفية، والتقارير، وتغطية ومعالجة القضايا الاجتماعية والتنموية، والقصص الصحفية بطرحٍ مهنيٍّ معمَّق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews