
نشوة أحمد الطيب – مراسلين
في مشهد يتجاوز صورة الدمار التي فرضتها الحرب، أطلق شباب سودانيون مبادرة بيئية طوعية واسعة تهدف إلى إعادة تشجير العاصمة الخرطوم، تحت شعاري «خرطومنا خضراء» و«زرعتها بيدي»، في محاولة عملية لتحويل مدينة أنهكتها الصراعات إلى فضاء أكثر حياة واخضراراً.
المبادرة التي تسعى إلى زراعة ألف شجرة مثمرة، جاءت تحدياً مباشراً لآثار الحرب ورسالة أمل تؤكد قدرة المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، على الإسهام في إعادة إعمار ما تضرر. ويسعى القائمون عليها إلى نقل الخرطوم من كونها «عاصمة مدمّرة» إلى «عاصمة خضراء» تعكس روح الصمود والإرادة.

جهد تطوعي
بتنظيم ميداني وجهد تطوعي مكثف انطلقت فعاليات اليوم الأول وسط حماس لافت من المتطوعين من الجنسين، حيث جرى تنظيم العمل عبر تقسيم المشاركين إلى مجموعات ميدانية، ضمّت كل مجموعة نحو عشرة أفراد، تولّت مهام تجهيز الأحواض الزراعية ، وشملت الأعمال تنظيف المواقع من المخلفات المتراكمة منذ سنوات، ولا سيما خلال فترة الحرب، في جهد جسدي واضح لم تثنه قسوة الظروف.
وبحسب توجيهات مهندسين زراعيين ومختصين شاركوا في الإشراف، قام المتطوعون بنقل التربة الزراعية وإضافتها إلى الأحواض بطريقة تضمن نمواً سليماً للأشجار، وهو عمل تطلّب جهداً مضاعفاً نتيجة نقل التربة من مسافات بعيدة وفي ظل محدودية الإمكانات.

تدشين رمزي ولمسات فنية
شهد اليوم التطوعي لحظة رمزية مؤثرة تمثلت في تدشين زراعة أول شجرة ضمن المبادرة، على وقع ترديد النشيد الوطني «نحن جند الله جند الوطن» ، وبالتوازي مع ذلك، أبدع عدد من الشباب في رسم خطوط ولوحات فنية على الأرض، لتكون أولى الرسومات التي تزيّن شوارع الخرطوم بعد الحرب، في تعبير بصري عن التعمير وبعث الأمل.
كما شملت الفعالية لفتات اجتماعية، إذ قامت متطوعات بإيقاف السيارات المارة وتوزيع الحلوى مرفقة برسائل وطنية، في مبادرة لاقت تفاعلاً وترحيباً من المواطنين الذين عبّر كثير منهم عن رغبتهم في المشاركة مستقبلاً.

دعم رسمي وتفاعل شعبي
حظيت المبادرة بدعم رسمي من وزارة الزراعة بولاية الخرطوم، حيث شاركت المهندسة الزراعية ابتسام توم عثمان، رئيس اللجنة العلمية للمبادرة، في الفعاليات الميدانية. وأعربت عن سعادتها بالعمل مع الشباب، واصفة إياهم بـ«النيّرين» لعدم استسلامهم لليأس الذي خلّفته الحرب.
وأكدت ابتسام أن الهدف يتمثل في تزيين وجه الخرطوم بزراعة ألف شجرة مثمرة، على أن تنطلق المرحلة الأولى من شارع الستين، معتبرة أن الخطوة تمثل نواة لمشروع بيئي أوسع يعيد الاعتبار للغطاء النباتي في العاصمة.

من فكرة عابرة إلى مبادرة جماعية
وأوضح مجتبى، صاحب الفكرة الرئيسية، أن المبادرة وُلدت بمحض الصدفة أثناء سيره في أحد شوارع الخرطوم، حين تساءل عن غياب الأشجار المثمرة رغم توفر الموارد والقدرات البشرية.
وأضاف أن مقطع فيديو نشره قبل نحو أسبوعين أسهم في انتشار الفكرة، حيث وجدت قبولاً واسعاً وسط الشباب، إلى جانب دعم فني من جهات حكومية مختصة.
ووجّه مجتبى رسالة مباشرة إلى الشباب قائلاً: «لو ما عملتها عشان وطنك، تعملها عشان منو؟»، في دعوة مفتوحة لتحويل الشعور بالمسؤولية الوطنية إلى فعل ميداني ملموس.

رسائل أمل تتجاوز الخرطوم
واعتبر الطلاب الجامعيون المشاركون في المبادرة أن ما قاموا به يتجاوز كونه نشاطاً بيئياً عابراً، ليشكل رسالة واضحة بأن السودان، رغم قسوة الحرب وتداعياتها، ما زال حيّاً بإرادة شبابه، وقادراً على استعادة عافيته وإعادة إعمار ما دُمّر بسواعد أبنائه.
وكشف القائمون على المبادرة عن نيتهم عدم الاكتفاء بالعاصمة، مع الإعلان عن التحضير لمبادرة قادمة تحت اسم «مدني خضراء»، في إطار توسيع التجربة إلى ولايات أخرى.
واختُتم اليوم التطوعي بري الأشجار التي جرى غرسها، وسط مشاعر عامة بالفخر والإنجاز، ليغادر المشاركون الموقع وهم يحملون قناعة راسخة بأن كل شجرة زُرعت تمثل بذرة أمل في مستقبل أكثر اخضراراً واستقراراً.






