تقارير و تحقيقات

ضد الكسر .. صمود سودانيات في زمن الحرب

هنادي حامد – مراسلين

الحياة، رغم صعوبتها، كانت هادئة، وكان وجودك في بيتك نعمة كبيرة لم نشعر بها إلا بعد فقدانها، تقول آسيا، التي نزحت من الخرطوم إلى مدينة ربك بولاية النيل الأبيض، مسقط رأسها. “كنا نعيش في الدخينات بالعاصمة الخرطوم، وحين اندلعت الحرب أصبحت الحياة هناك شبه مستحيلة، فإما الموت برصاص أو جوع أو مرض. فاضطررنا إلى الخروج”.
زوجي، عليه رحمة الله، كان مريضًا ويعاني من الفشل الكلوي، وكان الغسيل متاحًا في مركز الرميلة بالخرطوم، لكن وقع الرصاص كان أشد خطورة علينا، خاصة على أطفالي الذين ما زالوا يعانون من رواسب الخوف التي خلفتها أصوات الدانات والرصاص. والحمد لله، نحن الآن بأمان.

بين المعاناة والصبر يكمن أمل البقاء على قيد الحياة..

تروي آسيا حكايتها مع رحلة علاج زوجها: “تبرعت بكليتي لمنير، عليه رحمة الله، فهو كان سندي الوحيد بعد الله، لكن إرادة الله كانت الغالبة، ففشلت عملية الزرع.
حمدنا الله على أقداره، والحياة لابد أن تستمر. منير، رغم مرضه، كان المعيل والسند للأسرة، فأنا ربة منزل ولا أعمل، ولدي سبعة أبناء وبنات جميعهم في طور الدراسة.
رحلة النزوح لم تكن سهلة، فكان الطريق غير آمن، وتعرضنا لهجوم في منطقة الجبل، شمل النهب والسلب، لكن بجهد شديد وصلنا ربك بعد يوم ونصف”.
في ربك بدأت رحلة جديدة من حياتهم: “استقبلنا شباب يقومون بخدمة النازحين وإيوائهم في المدارس، فتمت استضافتنا، وجُهزت لنا بعض المستلزمات والأدوية لمنير، وفور وصولنا قاموا بتوفير الغسيل لزوجي. وبعد معاناة وصراع، انتقل منير إلى دار البقاء، فأصبحت أنا المعيل الوحيد للأسرة، واضطر ابني الأكبر لترك مقاعد الدراسة لمساعدتي في تربية إخوته الستة”.

العودة إلى الديار وحمى الضنك: أسلحة أخرى في مواجهة آسيا..

تقول آسيا: “بعد تحرير الخرطوم بشهر، فكرت بالعودة إلى بيتي في الدخينات، وحزمنا أمتعنا وتوجهنا في رحلة العودة الطوعية إلى ديارنا. لكن بعد عودتنا انتشرت حمى الضنك، ومع انعدام تام للماء والكهرباء في منطقتنا، اضطررنا للعودة مرة أخرى إلى ولاية النيل الأبيض.
لكن هذه المرة لم تعد هناك مراكز إيواء، إذ تم إفراغها جميعًا لعودة الطلاب إلى الدراسة.
عدت إلى منزل العائلة وأقمت هناك، لكن التحدي الحقيقي كان في الحصول على الاحتياجات اليومية من طعام وشراب وعلاج.
لم يكن أمامي سوى التوجه إلى السوق، لكن لم يكن لدي مال كافٍ لبدء مشروع، فاستدنت بعض المال من إحدى قريباتي، واشتريت تسالي وفول وبعض الحلويات لأبيعها للأطفال أمام منزلنا. وكما قلت، ابني الأكبر يعمل سائق ركشة (‘جوكي’)، فتعاونا على إعالة الأسرة، والحمد لله، الأمور تسير”.
في خضم هذه التحديات، تظل آسيا وأخواتها رمزًا لصمود نساء السودان، فهن ليسن ضحايا فقط، بل بنات أمة ترفض الاستسلام، يحملن على أكتافهن مستقبل أجيال قادمة. إن دعمنا اليوم، سواء بالمساعدات الإنسانية أو الضغط لإنهاء الحرب، هو الضمان لاستمرار هذا الصمود، ولعودة السودان إلى أرض السلام والازدهار.
السودانيات لم يُكسرن، بل يبنين من كل كسر جسرًا نحو غد أفضل.

Nashwa Ahmed

صحفيةٌ سودانيةٌ متخصِّصةٌ في التحقيقات الصحفية، والتقارير، وتغطية ومعالجة القضايا الاجتماعية والتنموية، والقصص الصحفية بطرحٍ مهنيٍّ معمَّق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews