النفوذ الصامت والصدامي ، مقارنة استراتيجية بين الصين والإمارات وتركيا والسعودية

مولود سعد الله – مراسلين
في السنوات الأخيرة تحولت مناطق واسعة من إفريقيا والشرق الأوسط إلى ساحات مفتوحة لتقاطع النفوذ الدولي والإقليمي، حيث لم تعد الأزمات مجرد أحداث عابرة بل أصبحت فرصا استثمارية وسياسية وأمنية تستغلها بعض الدول لتوسيع حضورها خارج حدودها، وضمن شعارات دعم الاستقرار والاستثمار تكشف الممارسات العميقة لهذه الدول عن أهداف خفية غالبا ما تتعارض مع تطلعات الشعوب وتمس استقلال الدول وقدرتها على اتخاذ القرار، ويصبح النفوذ مرتبطا بالمال وبالقدرة على توجيه الأحداث، بينما تتحمل الدول المحلية تبعات التدخلات

.
الإمارات على سبيل المثال اعتمدت في تحركاتها الخارجية على المال السريع والوجود الاقتصادي في الموانئ والطاقة والخدمات اللوجستية وغالبا ما يصاحب هذا الحضور الاقتصادي تدخل غير مباشر في التوازنات السياسية ودعم أطراف محلية على حساب أخرى، مما يجعل نفوذها سريعا ومرنا لكنه يثير حساسيات داخلية ويخلق انقسامات في دول هشة،
بينما تتبنى السعودية نهجا أكثر رسمية يعتمد على تمويل المشاريع الكبرى والعلاقات الحكومية المباشرة، غير أن هذا النهج الضخم يصطدم في كثير من الأحيان بضعف التأثير الشعبي ويقيد قدرة النفوذ على الاستدامة، إذ يبقى مرتبطا بالأنظمة السياسية أكثر من ارتباطه بالدولة نفسها، ويصبح بالتالي محدود العمق وسهل التأثر بتغير الظروف.
تركيا من جهتها تدخل الساحات الخارجية بخطاب سياسي واضح وأحيانا أيديولوجي مدعوم بحضور أمني أو عسكري مباشر، وهو ما يمنحها نفوذا فوريا لكنه صدامي ومكلف ويعرضها للتقلبات المتسارعة في المنطقة، فيما تركز إسرائيل على الأمن والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية، ما يمنحها نفوذا دقيقا ومحدودا لكنه يثير رفضا شعبيا واسعا ويجعل الدول التي تتعامل معها في حالة توتر دائم، أما الولايات المتحدة وأوروبا فتواجه تحديات مشابهة إذ ما زالت إرث التدخل العسكري والسياسي والإعلامي يؤثر على قدرتها على كسب الثقة الشعبية، حتى في الوقت الذي تحاول فيه إعادة التموضع عبر الاستثمار والدبلوماسية الاقتصادية، وهو ما يجعل النفوذ قصير الأمد وغير مستقر خاصة مع تركيزها على الانتخابات داخلها وتغير توجهها حسب النتائج .

ما يجمع هذه الدول بدرجات متفاوتة باستثناء السعودية هو استغلال الأزمات والهشاشة لتحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية وربط القرار الوطني بالمال والدعم الخارجي، وهو أسلوب يولد نفوذا سريعا لكنه غالبا ما يكون هشا ويواجه مقاومة داخلية ويهدد سيادة الدول في المقابل، يبرز النموذج الصيني كنموذج مغاير يعتمد على استثمار طويل الأمد في البنية التحتية والاقتصاد دون تدخل سياسي مباشر أو دعم أطراف متنازعة ويترك الدول مضطرة للاعتماد عليه اقتصاديا وايضا قدرتها على الانتظار لسنوات في مشاريع طويلة الامد مما يضمن استمرار نفوذه دون صدام ، ويمنحه القدرة على التقدم بهدوء والمنافسة حتى مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، وهو ما يؤكد أن النجاح لا يقاس بالقوة العسكرية أو النفوذ الإعلامي، بل بالقدرة على ربط المصالح بطريقة تجعل الآخرين لا يستطيعون الاستغناء عنك.
تظهر التجربة بوضوح أن النفوذ المبني على المال والأزمات والاستغلال الأمني يؤدي في الغالب إلى أزمات جديدة وانقسامات، بينما النفوذ المبني على الاقتصاد الصامت والاحترام الشكلي لسيادة الدول يصنع اعتمادا متبادلا واستقرارا طويل المدى، ويترك الدولة التي تتبنى هذا النهج في موقع قوة هادئة، قادرة على التأثير دون مواجهة مباشرة وهو ما يجعل النموذج الصيني رغم صمته، الأكثر نجاحا واستدامة في المنطقة ، ويطرح السؤال الأهم اليوم ليس عن من يملك القوة، بل عن من يعرف كيف يستخدمها بحكمة ليبقى بعيدا عن الاستهداف ويضمن مصالحه لأجيال مقبلة.



