
السعودي محمود – مراسلين
في مدينة الكاملين بولاية الجزيرة وسط السودان، تقف مدرسة عباس صالح الابتدائية مثالاً حيّاً لما يواجهه التعليم في مناطق النزاعات حول العالم. ليست هذه المدرسة رقماً في تقرير حكومي، ولا فقرة عابرة في نشرة أخبار، بل حكاية إنسانية تُجسّد كيف تتحول قاعات الدرس، حين تندلع الحروب، من فضاءات للمعرفة إلى أطراف منسية في خريطة الاهتمام الدولي.
أُسِّست المدرسة في تسعينيات القرن الماضي لتخدم أطفال الأحياء الجنوبية بمدينة الكاملين، وتمنحهم حقاً أساسياً كفلته المواثيق الدولية: التعليم الآمن والجيد. ولسنواتٍ طويلة، أدت دورها كاملاً، فخرّجت طلاباً أصبحوا فاعلين في مجتمعهم، وحملت على عاتقها رسالة أخلاقية قبل أن تكون تعليمية، بقيادة معلمين وإداريين آمنوا بأن التعليم هو خط الدفاع الأول في وجه الفقر والتهميش.
لكن مع اندلاع الحرب في السودان، وجدت المدرسة نفسها في قلب الأزمة. في الأيام الأولى للصراع، تحولت إلى مأوى للنازحين، هرباً من القصف والخوف. لاحقاً، ومع غياب سلطة الدولة في فتراتٍ حرجة، تعرضت لانتهاكات واستخدامات خارجة عن وظيفتها التعليمية، ما أدى إلى تدمير بنيتها التحتية واستنزاف ما تبقى من مواردها المحدودة. هذا المصير لا يخص عباس صالح وحدها، بل يتكرر في عشرات الدول التي تشهد نزاعات مسلحة، حيث تصبح المدارس أهدافاً غير مباشرة لانهيار النظام العام.
اليوم، تعيش المدرسة حالة تدهور حاد: فصول متهالكة، غياب شبه كامل للإجلاس المدرسي، مرافق صحية غير صالحة، وسور لا يوفر أدنى درجات الأمان. يعمل في المدرسة ثلاثة معلمين معيّنين رسمياً فقط، بينما يعتمد التعليم اليومي على خريجي كليات التربية المتعاونين، ممن تنقصهم الخبرة والدعم والتأهيل المستمر. ورغم ذلك، يواصلون أداء واجبهم بروحٍ إنسانية، في ظل أجور متدنية لا توازي الحد الأدنى لمعايير العمل اللائق التي تنص عليها منظمة العمل الدولية.
وفي محاولة لمقاومة هذا الانهيار الصامت، تُكابد مديرة المدرسة، فهيمة زين العابدين، برفقة نفرٍ كريم من المعلمات، صعوبات جسيمة لإعادة المدرسة إلى سابق عهدها. جهودٌ تُبذل بإمكانات شحيحة وإرادة صلبة، في سبيل إبقاء أبواب التعليم مفتوحة أمام الأطفال، كما أفادت المديرة في حديثها لشبكة «مراسلين».
إن وضع مدرسة عباس صالح يعكس انتهاكاً غير معلن لحق الطفل في التعليم، كما ورد في اتفاقية حقوق الطفل، ويطرح أسئلة أخلاقية أمام المجتمع الدولي حول حماية المرافق التعليمية أثناء النزاعات، وضمان استمرارية التعليم في سياقات الطوارئ. فالأطفال الذين يجلسون اليوم على الأرض داخل الفصول هم أنفسهم من يُفترض أن تقف خلفهم سياسات الحماية الإنسانية، لا أن يُتركوا ضحايا جانبية لصراعٍ لم يختاروه.
في السابق، كانت إدارات التعليم ومجالس الآباء تشكل شبكة أمان للمدرسة، أما اليوم، فقد أضعفت الحرب القدرات المؤسسية، وأرهقت الأسر اقتصادياً، ووسّعت فجوة الإهمال. من هنا تأتي هذه القصة بوصفها شهادة ميدانية موجّهة إلى صناع القرار، والمنظمات الدولية، والجهات المانحة، بأن الاستثمار في إعادة تأهيل مدرسة واحدة قد يعني إنقاذ مئات الأطفال من الضياع، وكسر حلقة النزاع طويلة الأمد.
إن إنقاذ مدرسة عباس صالح ليس شأناً محلياً فحسب، بل التزاماً أخلاقياً دولياً، لأن حماية التعليم في مناطق النزاع هي حماية للسلم الاجتماعي ومستقبل المجتمعات. ففي عالمٍ تتقاطع فيه الأزمات، تبقى المدرسة—مهما بدت صغيرة على الخارطة- خط الدفاع الأول عن الكرامة الإنسانية، وعن حق الأجيال القادمة في حياة تتجاوز الحرب.






