كيف تنظر إسرائيل إلى التقدّم الخليجي في الذكاء الاصطناعي؟

الهيمنة الحاسوبية الخليجية وانعكاساتها على ميزان القوة الإقليمي
بقلم: أبوبكر إبراهيم أوغلو
مقدمة
يشهد الشرق الأوسط تحولًا استراتيجيًا صامتًا، تقوده دول الخليج العربي عبر استثمارات غير مسبوقة في مجال الذكاء الاصطناعي. لم يعد الأمر مقتصرًا على تبنّي تطبيقات تقنية حديثة، بل بات مشروعًا متكاملًا لإعادة تعريف مصادر القوة الاقتصادية والسياسية والأمنية في مرحلة ما بعد النفط. هذا التحول، الذي تقوده السعودية والإمارات وبدرجة أقل قطر، يُنظر إليه في إسرائيل بقدر متزايد من القلق الاستراتيجي، لما يحمله من دلالات تتجاوز الاقتصاد إلى صميم معادلات التفوق التكنولوجي الإقليمي.
الذكاء الاصطناعي كأصل سيادي جديد
تتعامل دول الخليج مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أصلًا سياديًا طويل الأمد، مرشحًا لأن يحل محل النفط والغاز كمصدر للنمو والنفوذ. هذا التصور، الذي ورد صراحة في وثائق «رؤية 2030» السعودية و«رؤية 2031» الإماراتية، يقوم على تحويل الفوائض المالية والطاقوية إلى بنى تحتية حاسوبية فائقة، تجعل من الخليج مركزًا عالميًا لإنتاج وتشغيل الذكاء الاصطناعي.
من منظور إسرائيلي، لا تكمن خطورة هذا التوجه في التطبيقات بحد ذاتها، بل في السعي للسيطرة على عنق الزجاجة التكنولوجي: الرقائق المتقدمة، الحوسبة السحابية، مراكز البيانات، والطاقة اللازمة لتشغيلها. وهي عناصر تشكل، مجتمعة، أساس ما تصفه الأدبيات الاستراتيجية بـ«القوة البنيوية».
طفرة الرقائق: لحظة التحول
شكّل القرار الأميركي في أواخر عام 2025 بالسماح بتصدير رقائق ذكاء اصطناعي متقدمة من إنتاج NVIDIA إلى السعودية والإمارات نقطة تحول مفصلية في الإدراك الإسرائيلي. فامتلاك عشرات الآلاف من هذه الرقائق – مع خطط للتوسع إلى مئات الآلاف – يعني قدرة تشغيلية لا تتوافر سوى لدى الولايات المتحدة والصين.
في إسرائيل، حيث لا تزال البنية الحاسوبية محدودة نسبيًا ومقيّدة باعتبارات أمنية وتنظيمية، يُنظر إلى هذه الطفرة الخليجية بوصفها انتقالًا من التفوق النوعي إلى تفوق قائم على وفورات الحجم، وهو نمط يصعب على دولة صغيرة تقليديًا مجاراته.
من الدولة الريعية إلى “الدولة الحاسوبية”
ترى مراكز الأبحاث الإسرائيلية أن دول الخليج لا تسعى فقط إلى تنويع اقتصاداتها، بل إلى إعادة إنتاج نموذج الدولة الريعية بصيغة رقمية. فالذكاء الاصطناعي يتيح:
- خلق وظائف عالية الأجر،
- توليد مصادر دخل بديلة،
- الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي،
دون الحاجة إلى انفتاح سياسي واسع.
خارجيًا، يمنح التحكم بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي نفوذًا أفقيًا يمتد إلى المال، والصناعة، والدفاع، والإعلام. أما أمنيًا، فتسعى دول الخليج إلى إعادة ربط أمنها بالأمن الأميركي والغربي عبر مراكز بيانات تصبح حيوية للاقتصاد العالمي، كما كان النفط في السابق.
التحدي الإسرائيلي: تآكل التفوق النسبي
لطالما استند التفوق الإسرائيلي إلى مزيج من الابتكار، ورأس المال البشري، والدعم الغربي. غير أن الصعود الخليجي يفرض تحديات مباشرة، أبرزها:
- استقطاب الكفاءات الإسرائيلية والدولية بفعل الرواتب والبنية التحتية.
- امتلاك قدرات حوسبة لا تستطيع إسرائيل توفيرها داخليًا.
- تحول الخليج إلى مركز جذب للشركات العالمية، على حساب المنظومة الإسرائيلية.
وتشير تقارير إسرائيلية حديثة، من بينها تقارير صادرة عن «لجنة نجل» ومراكز مثل INSS وMABAT AL، إلى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تراجع مكانة إسرائيل كمركز إقليمي وحيد للتكنولوجيا المتقدمة.
فرص التعاون… وحدوده
في المقابل، لا تنظر إسرائيل إلى التحول الخليجي بوصفه تهديدًا صرفًا. فثمة فرص تعاون محتملة في مجالات الدفاع الجوي، والأمن السيبراني، والبحث التطبيقي. غير أن هذا التعاون – وفق التصور الإسرائيلي – يجب أن يكون:
- انتقائيًا،
- محدودًا،
- محكومًا باعتبارات صارمة لمنع تسرب المعرفة الحساسة.
وتبرز هنا حساسية خاصة تجاه قطر، في ضوء علاقاتها الإقليمية ودورها السياسي، ما يجعل أي تعاون ثلاثي أو متعدد الأطراف مسألة إشكالية من منظور أمني إسرائيلي.
الخليج بين واشنطن وبكين: معضلة استراتيجية
تثير قدرة دول الخليج على التحوط بين الولايات المتحدة والصين قلقًا إضافيًا في إسرائيل. فالجمع بين الرقائق الأميركية المتقدمة والتقنيات الصينية الأقل تقييدًا قد يؤدي إلى:
- تعقيد أنظمة الرقابة الغربية،
- تآكل التفوق النوعي المدعوم أميركيًا،
- نشوء بيئة تكنولوجية هجينة يصعب ضبطها.
ويُنظر إلى الخليج بوصفه أول ساحة عالمية يتعايش فيها الذكاء الاصطناعي الأميركي والصيني ضمن منظومة واحدة.
تخلص التقديرات الإسرائيلية إلى أن مواجهة هذا التحول تتطلب:
- بلورة استراتيجية وطنية شاملة للذكاء الاصطناعي،
- الاستثمار المكثف في رأس المال البشري،
- توسيع البنية الحاسوبية السيادية،
- الانتقال من نموذج «أمة الشركات الناشئة» إلى دولة منصات ونظم متكاملة.
ختاما، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل بات النفط الجديد بمعناه الجيوسياسي. ومن منظور إسرائيلي، فإن الصعود الخليجي في هذا المجال يعيد رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط. وفي سباق كهذا، لا يكفي التفوق النوعي وحده، بل يصبح امتلاك الحوسبة، والطاقة، والبيانات، والقرار السياسي العامل الحاسم في تحديد موقع الدول داخل النظام الإقليمي القادم.



