
ريتا الأبيض – مراسلين
عاد التوتر ليخيّم على القرى الحدودية في جنوب لبنان، بعدما نفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات متتالية استهدفت أطراف بلدات ومناطق مفتوحة في القطاع الغربي والقطاع الأوسط من الجنوب، في تصعيد مفاجئ أنهى أياماً من الهدوء الحذر.
أهالي عدد من البلدات الحدودية تحدثوا عن دوي انفجارات عنيفة هزّت المنازل وتسببت بحالة من الهلع، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن. في بعض المناطق خرج السكان إلى الشرفات أو إلى محيط منازلهم في محاولة لفهم ما يجري.
“رجعنا على نفس المشهد… صوت الطيران، بعدها الانفجار، بعدها انتظار إذا في ضربة تانية”، يقول أحد سكان منطقة صور.
إنذار عاجل بالإخلاء في كفر حتا
في تطور لافت، صدر تحذير عاجل دعا سكان منطقة محددة في بلدة كفر حتا جنوب لبنان إلى الإخلاء الفوري والابتعاد لمسافة لا تقل عن ثلاثمئة متر، على خلفية تهديدات باستهداف موقع قيل إنه يحمل طابعاً عسكرياً.
الجهات المعنية حذّرت من أن البقاء في المنطقة قد يعرّض المدنيين لخطر مباشر، ما دفع عدداً من الأهالي إلى مغادرة منازلهم وسط حالة من القلق والترقّب.

الجيش الإسرائيلي: استهداف “بنية تحتية لحزب الله”
في بيان رسمي، قال الجيش الإسرائيلي إن غاراته استهدفت ما وصفه بـ«بنية تحتية عسكرية تابعة لحزب الله»، معتبراً أن الضربات جاءت رداً على “خروقات متكررة لتفاهمات وقف إطلاق النار”.
البيان لم يتضمّن تفاصيل دقيقة عن طبيعة الأهداف أو مواقعها، لكنه حمل رسالة سياسية واضحة بقدر ما حمل تبريراً عسكرياً، في محاولة لتثبيت رواية أن التصعيد سببه ما تعتبره إسرائيل تحركات على الجانب اللبناني من الحدود.
غموض في الموقف الرسمي اللبناني
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يصدر موقف رسمي لبناني شامل يشرح ما جرى أو يحدد خلفياته. مصادر محلية في الجنوب أكدت أن الغارات طالت مناطق مفتوحة وأطراف بلدات وأدت إلى أضرار مادية في بعض الممتلكات، من دون توفر حصيلة مؤكدة عن الإصابات.
فرق الإسعاف والدفاع المدني بقيت في حالة استنفار في أكثر من نقطة، فيما ساد حذر واضح بين الأهالي، خصوصاً في القرى القريبة جداً من الخط الحدودي.
التوقيت يثير أسئلة
ما يلفت في هذه الغارات ليس فقط وقوعها، بل توقيتها أيضاً. التصعيد جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يترافق فيها الحديث المتزايد عن تحركات عسكرية أميركية في المنطقة مع توتر مفتوح بين إسرائيل ومحور إيران، في وقت يفاقم فيه الانسداد السياسي الداخلي في لبنان هشاشة المشهد الأمني جنوبًا، إضافة إلى غياب أي أفق واضح لتهدئة مستدامة على الحدود.
مصادر متابعة للملف الأمني ترى أن إسرائيل تحاول إعادة تثبيت معادلة ردع جديدة تقوم على ضربات محسوبة ورسائل مباشرة، لكن من دون الذهاب في هذه المرحلة إلى حرب شاملة.

رسائل تتجاوز جنوب لبنان
الغارات لا تبدو موجّهة فقط إلى حزب الله. في قراءة كثير من المتابعين، تحمل هذه الضربات رسائل سياسية متعددة، تبدأ من الدولة اللبنانية مروراً بالوسطاء الدوليين، ولا تنتهي عند الأطراف الإقليمية، في تأكيد على أن إسرائيل تحتفظ بحق المبادرة العسكرية متى شاءت.
هذا الأسلوب يعيد إلى الأذهان مراحل سابقة من التصعيد المحدود والتوتر الدائم والقلق المستمر لدى السكان.
الجنوب بين القلق والانتظار
ميدانياً، لا مؤشرات حتى الآن على اندلاع مواجهة واسعة، لكن في المقابل لا شيء يوحي بعودة قريبة للاستقرار الكامل. الواقع على الأرض يشبه كثيراً ما يعرفه الجنوبيون منذ سنوات، حيث تصبح الحياة اليومية معلّقة على صوت الطائرة، وتتحوّل الأمسيات إلى وقت يُقاس بعدد الغارات لا بعدد الساعات.
في هذا المشهد، يبقى المدنيون مرة جديدة الأكثر عرضة للخوف والاضطراب، في منطقة تعيش أصلاً تحت ضغط أمني واقتصادي متواصل.



