تقارير و تحقيقات

المصالحة الوطنية … رسائل مزدوجة في زمن التحولات

عماد الدين حسن – خاص مراسلين

في خطاب ألقاه من القصر الجمهوري بالخرطوم بمناسبة الذكرى السبعين لاستقلال السودان، عبر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان عن رؤيته لمستقبل البلاد. تضمنت كلمته، التي حملت في طياتها رسائل متعددة، دعوات صريحة للمصالحة الوطنية والانفتاح على مختلف القوى السياسية، مع التشديد على التمسك الراسخ بمبادئ الدولة وسيادة القانون، وتعزيز مفهوم المواطنة المتساوية. هذا الخطاب، الذي يعكس ربما تحولاً في النهج، يسلط الضوء على سعي جاد لبناء توافق وطني شامل، بهدف معالجة الأزمات المتراكمة وتحقيق الاستقرار المنشود.

رسائل واضحة

في كلمته ، أشاد البرهان بالقوى السياسية “المؤمنة بقضية الوطن” والتي تقف جنبًا إلى جنب مع الشعب والقوات المسلحة. لكن اللافت كان دعوته الصريحة للقوى الأخرى، قائلاً: “الباب ما يزال مفتوحًا للقوى السياسية، والمصالحة الوطنية ما زالت أبوابها مشرعة.. كل من يريد أن ينضم إلى صوت الوطن نرحب به.”

احترام القوى السياسية

أكد القيادي في حزب الأمة القومي، يوسف الصادق الشنبلي، أن التصريحات التي أدلى بها رئيس مجلس السيادة، الفريق البرهان، تلقى منا ترحيباً وتقديراً كاملاً. وأبرز الشنبلي أهمية احترام القوى السياسية والاعتراف بدورها الفاعل في المشهد السوداني، مشدداً على أن مستقبل الوطن ليس محصوراً في فئة معينة أو جهة محددة.

وأفاد أنه من الضروري قبول مبدأ التعددية السياسية والعمل على بدء حوار شامل وعادل بين جميع الأطراف السودانية، مع التأكيد على أن هذا الحوار يجب أن يشمل الجميع ولا يستثني أحداً. ويستثنى من ذلك أولئك الذين يتبنون أجندة المليشيات ويختارون العنف كوسيلة لتحقيق أهدافهم السياسية.

وقال الشنبلي، إن دعم القوات المسلحة أصبح ضرورة ملحة ولا بد منها، حيث تعتبر هذه القوات الضامن الأساسي لوحدة واستقرار السودان. وأشار الشنبلي إلى أن القوات المسلحة تتولى في هذه الحرب مهمة الدفاع عن الأرض والعرض، بينما تقوم المليشيات بمحاربة المواطنين بنسبة تصل إلى 80%.

وأضاف أن القوى السياسية تعبر عن ضمير وإرادة الشعب السوداني، ولذلك تقف في هذه الحرب إلى جانب القوات المسلحة. وأكد أن هذا الموقف ليس بجديد على القوى السياسية، حيث يمكننا أن نستذكر مواقف الإمام الراحل الصادق المهدي الذي عارض هذه المليشيات بشدة، ورفض استخدام العنف أو الاستعانة بالجهات الخارجية لتحقيق الأهداف السياسية.

أكد الشنبلي أن الرسالة الأساسية في خطاب البرهان هي الدعوة إلى المصالحة الوطنية والحوار. لذا، فإنه يجب أن يتبع هذا القول عمل ملموس يتمثل في دعوة رئيس مجلس السيادة رسميًا إلى إطلاق الحوار السوداني – السوداني، من خلال إنشاء آلية مخصصة لهذا الحوار وتحديد الأجندة والمواضيع المطروحة. وعلى القوى السياسية أن تبادر بتقديم أفكار ومبادرات تساعد في إنجاح هذا الحوار، وصولًا إلى حل سياسي شامل وعادل يحقق السلام، ويضع حدًا للحرب، ويهيئ الطريق لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، تتيح للشعب اختيار من يمثله في السلطة.

أشار الشنبلي إلى تأكيد الفريق البرهان بأن الوطن يتسع للجميع، مما يدل على أن الجيش لا يسعى للانفراد بالسلطة في هذه الفترة، إلا أن وجوده يعتبر مهمًا للغاية حتى تقام الانتخابات. ومن المعروف أن الفترات الانتقالية تقودها القوات المسلحة، والخدمة المدنية، والسلطة القضائية، إلى جانب الكفاءات والخبرات الوطنية، بالإضافة إلى القوى السياسية التي تساهم في تقديم الأفكار والمبادرات. ينبغي الالتزام بمبادئ المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون، وكذلك التوصل إلى اتفاق على الحد الأدنى وثوابت وطنية تشمل دولة المواطنة.

استكمل الحديث بالتأكيد على أن من واجب القوى السياسية أن ترد على هذه التصريحات بإيجابية أكبر وتعلن عن ترحيبها الرسمي بمضمون ما قاله الفريق البرهان. كما يجب عليها أن تعبر عن استعدادها للدخول في حوار جاد وفعّال. ومن الضروري أن يتم التركيز على أهمية الاصطفاف الوطني لمواجهة التحديات التي تواجه الوطن، وتفويت الفرصة على كل من يسعى للإضرار بمصالحه. ينبغي أن تكون مصلحة السودان فوق المصالح الحزبية الضيقة، ويتوجب على الأطراف المعنية تقديم التنازلات اللازمة من أجل تحقيق المصالحة والوفاق.

تحليل عميق

من جهته، يرى المحلل السياسي محمد تورشين في حديثه لمراسلين أن خطاب البرهان يحمل في طياته رسائل مزدوجة، حيث يشيد في البداية بالقوى الداعمة للقوات المسلحة، ولكنه في نفس الوقت يوجه دعوة صريحة للمعارضين للعودة إلى حضن الوطن والمشاركة في جهود المصالحة.

“البرهان يرسل رسالة واضحة مفادها أن الجيش لا يزال هو الضامن للاستقرار، ولكنه في نفس الوقت يمد يده إلى القوى السياسية الأخرى، آملاً في جمع الشمل وتحقيق وحدة وطنية حقيقية” يضيف تورشين.

هل تستجيب القوى السياسية؟

في ختام تحليله، يرى تورشين أن التحدي الأكبر يكمن في مدى استجابة القوى السياسية لهذه الدعوة، حيث يشير إلى أن هناك تحفظات كبيرة على دور رئيس مجلس السيادة، مما قد يعيق تحقيق المصالحة المنشودة.

أمجد أبو عرفة

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews