أخبارسياسةمقالات

شرق المتوسط بين الردع والتطويق: ماذا يعني السلاح الإسرائيلي قرب الحدود التركية؟

مقال تحليلي: أبوبكر إبراهيم اوغلو

لم يعد شرق البحر المتوسط مجرد ساحة تنافس قانوني حول ترسيم الحدود البحرية أو حقوق التنقيب عن الغاز، بل تحوّل خلال العقد الأخير إلى مسرح صراع استراتيجي مكتمل الأركان، تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع التحالفات السياسية والطموحات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، يكتسب الحديث المتداول عن نشر أو تشغيل منظومات صواريخ إسرائيلية متقدمة من طراز Spike NLOS في الجزر اليونانية الشرقية وعلى طول الحدود البرية مع تركيا أهمية تتجاوز البعد التقني البحت، ليصل إلى مستوى إعادة تشكيل ميزان الردع الإقليمي في واحد من أكثر الأقاليم حساسية في العالم.

أولًا: لماذا الجزر؟ ولماذا الآن؟

الجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي ليست مجرد أراضٍ متنازع عليها في الخطاب السياسي، بل تمثل نقاط تماس أمنية بالغة الحساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي. أي تغيير في طبيعة التسليح أو أنماط الانتشار العسكري عليها يُقرأ في أنقرة بوصفه مساسًا مباشرًا بأمنها القومي وحدودها الغربية.
يأتي هذا التطور في لحظة تشهد تصاعدًا في الدور العسكري التركي شمال سوريا، وحضورًا متزايدًا لأنقرة في شرق المتوسط، يقابله إعادة اصطفاف إقليمي تقوده شراكات ثلاثية متنامية بين إسرائيل واليونان وقبرص.

في هذه اللحظة بالذات، يتحوّل السلاح من أداة عسكرية إلى رسالة سياسية استراتيجية.

ثانيًا: ما الذي يميّز Spike NLOS؟

منظومة Spike NLOS لا تُصنَّف كسلاح تكتيكي تقليدي، بل كأداة ردع مرنة ذات خصائص نوعية:
مدى بعيد، دقة إصابة عالية، قدرة على استهداف أهداف برية وبحرية، وإمكانية الدمج ضمن شبكات استطلاع وإنذار متقدمة.
في جغرافيا إيجه الضيقة والمعقّدة، تعني هذه الخصائص عمليًا تحويل الجزر الصغيرة إلى منصّات منع وصول (A2/AD)، قادرة على تهديد أي تحرك عسكري أو بحري تركي، دون الحاجة إلى وجود عسكري كثيف أو بنية تحتية ثقيلة.

ثالثًا: الحسابات اليونانية – ردع بلا حرب

بالنسبة لأثينا، لا يمكن فصل هذا التطور عن خطة تحديث عسكري شاملة تمتد حتى منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، وتهدف إلى معالجة الفجوة المتزايدة مع تركيا، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة، والصواريخ بعيدة المدى، والشبكات القتالية المتكاملة.
التعاون العسكري مع إسرائيل يمنح اليونان قدرة ردع نوعية بأكلفة تشغيل أقل، وتنويعًا في مصادر التسليح خارج الإطار الأوروبي التقليدي، فضلًا عن دعم سياسي غير مباشر داخل الناتو والاتحاد الأوروبي.

أثينا، في هذا السياق، لا تسعى إلى المواجهة، بل إلى رفع كلفة أي تصعيد محتمل إلى مستوى يصعب احتواؤه سياسيًا أو دوليًا.

رابعًا: الدافع الإسرائيلي – تطويق بلا صدام

تنظر إسرائيل إلى شرق المتوسط بوصفه امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، لا سيما في ظل التنافس الإقليمي المتصاعد، وتراجع هامش الثقة مع تركيا منذ أكثر من عقد. وعليه، فإن تعزيز التحالف مع اليونان وقبرص يُعد خيارًا استراتيجيًا يحقق لتل أبيب توازنًا غير مباشر مع أنقرة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

في هذا الإطار، تكتسب الزيارة الأخيرة التي قام بها قائد سلاح الجو الإسرائيلي، اللواء تومر بار، إلى اليونان وقبرص دلالة خاصة. فالزيارة، التي شملت لقاءات رفيعة المستوى مع قيادات عسكرية في البلدين، خُصصت لبحث التعاون العملياتي، والتنسيق الجوي، وتبادل الخبرات في بيئة شرق المتوسط.
وهي زيارة لا يمكن قراءتها كبروتوكول عسكري اعتيادي، بل كمؤشر واضح على انتقال العلاقة من مستوى التعاون السياسي والتقني إلى شراكة عسكرية عملية ذات أبعاد استراتيجية.

تكمن أهمية هذه الزيارة في رسالتها غير المباشرة إلى أنقرة: إسرائيل لم تعد تكتفي بإدارة خلافاتها مع تركيا ضمن مسرحها المباشر، بل باتت تسهم في بناء شبكة ردع إقليمي عبر شركاء يمتلكون تماسًا جغرافيًا مباشرًا مع تركيا. وجود قائد سلاح الجو الإسرائيلي في أثينا، في هذا التوقيت تحديدًا، يضع التعاون العسكري الإسرائيلي–اليوناني ضمن إطار ائتلاف ردعي متدرج يهدف إلى تقييد هامش المناورة التركية في إيجه وشرق المتوسط، دون كسر قواعد الاشتباك الكبرى.

خامسًا: كيف ترى أنقرة المشهد؟

من وجهة النظر التركية، فإن أي تسليح متقدم للجزر اليونانية القريبة من سواحلها يُعد تغييرًا جوهريًا في ميزان المخاطر، حتى وإن لم يكن خرقًا قانونيًا صريحًا للاتفاقات القائمة. ومن المرجّح أن تتعامل أنقرة مع هذا التطور وفق منطق الردع المقابل، عبر تصعيد دبلوماسي داخل الناتو، وتعزيز الوجود البحري والجوي في إيجه، وتسريع برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة المحلية، مع استخدام الاحتكاكات المحدودة كوسيلة لاختبار الخطوط الحمراء.

الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في حرب شاملة، بل في حادث محدود قد يتحول إلى أزمة كبرى في بيئة مشبعة بالسلاح وانعدام الثقة.

سادسًا: شرق المتوسط كمساحة صراع مفتوح

ما يجري اليوم يعكس تحوّل شرق المتوسط من منطقة تنافس اقتصادي إلى ساحة صراع استراتيجي طويل الأمد. التحالف الإسرائيلي–اليوناني–القبرصي يسعى إلى تثبيت معادلة ردع تمنع فرض وقائع جديدة بالقوة، بينما ترى تركيا في هذا المسار محاولة واضحة لتطويقها وعزلها إقليميًا.

الخاتمة الاستشرافية

المنطقة تتجه نحو نموذج الردع الهش: لا حرب شاملة، ولا استقرار طويل الأمد. الجزر ستبقى نقاط تماس، والتحالفات ستزداد صلابة، فيما ستسعى تركيا إلى اختبار هذا الردع دون كسره بالكامل. السؤال لم يعد متى تندلع المواجهة، بل من ينجح في إدارة التوتر طويل الأمد دون الانزلاق إلى نقطة اللاعودة.
شرق المتوسط، في صورته الجديدة، هو اختبار للأعصاب الاستراتيجية أكثر مما هو سباق تسليح.

أبوبكر إبراهيم أوغلو
باحث في الشؤون السياسية والأمنية

bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews