نافذة ضيقة للحوار: طهران وأوروبا بين الضغط والدبلوماسية

بقلم: علي زم- صحفي وخبير في الشؤون الإيرانية
وضعَ التوتر المتصاعد بين طهران وأوروبا خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما بعد تفعيل ما يُعرف بـ«آلية الزناد» وعودة العقوبات، العلاقات بين الطرفين في حالة معقدة. مع ذلك، ظهرت مؤشرات على محاولة الخروج من هذا الجمود وإحياء مسار الحوار. إذ تمثل التغريدة الأخيرة لعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وزيارة عباس عراقجي، وزير الخارجية، إلى باريس أولى علامات «تحرك دبلوماسي جديد».
يظل هذا التحرك في مراحل مبكرة، ما يجعل الحكم النهائي على نتائجه صعبًا، لكنه بلا شك يحمل رسائل مهمة حول الاستراتيجية الجديدة لطهران في التعامل مع أوروبا وربما الولايات المتحدة.
أكد لاريجاني في منشوره أن إيران «تقبل المفاوضات الحقيقية»، لا تلك التي تكون نتائجها محددة سلفًا. يشير هذا التصريح من جهة إلى استعداد طهران للحوار، ومن جهة أخرى يشكل ردًا نقديًا على نهج الغرب في السنوات الماضية، الذي اعتبرت طهران أنه غالبًا ما اعتمد على شروط مسبقة وتهديدات ومحاولات لفرض أطر معدة سلفًا.
أعلن لاريجاني بذلك أن طهران مستعدة للدخول في المفاوضات، شرط أن يتسم الطرف الآخر بالمساواة وعدم ممارسة الضغط وعدم تحديد مسار مسبق. وفي توقيت متزامن تقريبًا، سافر عراقجي إلى باريس بعد مشاركته في اجتماع لاهاي للقاء نظيره الفرنسي. وجاء هذا اللقاء في وقت وصلت فيه العلاقات الإيرانية الأوروبية إلى أدنى مستوياتها خلال العقد الماضي، حيث أدى تفعيل آلية الزناد وعودة العقوبات من قبل الترويكا الأوروبية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) المدعومة بالموقف الأميركي، إضافة إلى صدور قرار جديد من مجلس الحكام وانتهاء فترة اتفاق القاهرة القصيرة، إلى تجميد شبه كامل للعلاقات وفقدان الثقة. وتعتبر زيارة عراقجي محاولة لفتح «نافذة» في جدار الثقة المفقودة، وهو تحرك للاختبار وليس انعطافًا جذريًا.
تواجه أوروبا في هذه المرحلة وضعًا مزدوجًا؛ فهي من جهة تستخدم أدوات الضغط لإجبار طهران على قبول شروطها، ومن جهة أخرى تخشى من تفاقم الأزمة وحركة إيران نحو خيارات غير متوقعة. وتسعى الدول الأوروبية، وخصوصًا فرنسا التي غالبًا ما تتولى دور الريادة في ملف إيران، لإيجاد طريقة تحافظ على الضغط وفي الوقت ذاته لا تفقد مسار الحوار. يزيد هذا التناقض من تعقيد المحادثات المبكرة، إذ تتساءل طهران: كيف يمكن الحديث عن «حوار حقيقي» في ظل أقصى مستويات الضغط؟ مع ذلك، يبدو أن الأخيرة تسعى لاختبار إمكانية المسار، وهو ما نراه في رسائل لاريجاني وتحركات عراقجي والمساعي المتكررة لمنع الانغلاق التام للعلاقات. يبدو أن الهدف الأولي هو منع تصعيد التوتر، أما الهدف الأعمق فهو تعزيز القدرة على المناورة في الساحة الدولية، خاصة في سياق تنافس القوى الكبرى نحو تشكيل نظام عالمي جديد.
تظل إمكانية أن تؤدي هذه التحركات إلى العودة الفعلية إلى طاولة المفاوضات غير واضحة في الوقت الحالي. فإيران تؤكد من جانبها أنها ستدخل المفاوضات فقط إذا كانت هناك ضمانات واضحة، بعيدًا عن الضغط والتهديد. وتواجه أوروبا من جانبها قيودًا داخلية وضغوط واشنطن والبنية القانونية للعقوبات، ما يجعل احتمال أن تبقى المباحثات على مستوى «التقييم المتبادل» مرتفعًا.
تسعى أوروبا، وخصوصًا فرنسا، في هذه المرحلة إلى لعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن. وعلى الرغم من حديث الدول الأوروبية عن استقلالها، إلا أن التجربة أظهرت أن تنسيقها مع الولايات المتحدة يظل عاملًا محددًا في ملف إيران. ويبدو أن أحد الأهداف الرئيسية لأوروبا في استئناف التواصل مع طهران هو تمهيد الطريق لمفاوضات محتملة بين إيران والولايات المتحدة، وهو أمر حساس بالنسبة لطهران التي لطالما شككت في المفاوضات التي تدار بطريقة غير مباشرة من واشنطن.
تحدد طبيعة محتوى المقترح الفرنسي والإرادة الأوروبية الحقيقية في خفض التوتر مسار الحوار. وإذا اكتفى المقترح بتكرار الأطر القديمة بلغة جديدة، فمن الطبيعي أن ترفضه طهران. أما إذا كانت أوروبا مستعدة لتقديم تنازلات حقيقية ولو محدودة، فقد تفتح بذلك المجال لبدء مسار جديد. يجب إدراك أن نجاح المفاوضات يعتمد على شعور الطرفين بأنهما حققا مكاسب معينة. تسعى إيران للحفاظ على خطوطها الحمراء الأمنية والهوية، فيما تسعى أوروبا لتقليل المخاطر وضمان عدم تصعيد التوتر.
وتظل هذه التحركات في مرحلة «البداية» فقط، فزيارة عراقجي ورسالة لاريجاني لا تعني تغيير السياسة الكبرى لطهران، بل تمثل إعادة تقييم للمسارات الممكنة. لذلك، أي تحليل حول نجاح أو فشل هذه المبادرة في هذه المرحلة سيكون متسرعًا.
تتمتع العلاقات الإيرانية الأوروبية بتاريخ طويل مليء بالتقلبات، حيث انهارت الآمال الأولية أمام العقبات الهيكلية أو التغيرات المفاجئة في الساحة الدولية. في العموم، يمكن القول إن «نافذة ضيقة لكن حقيقية» قد فتحت، نافذة لا تزال هشة ولكنها قد تمثل بداية لحركة أوسع. وتعتمد استمرار هذه الفرصة على ثلاثة عوامل رئيسية: صدق وإرادة أوروبا في التفاعل بدون ضغط أحادي، ومرونة طهران ضمن حدود خطوطها الحمراء، والإدارة الذكية للساحة الدولية. إذا لم تتوفر هذه العوامل مجتمعة، فإن احتمال عودة التوترات مرتفع، بينما إذا تحققت، فقد نشهد بداية مرحلة جديدة، محدودة وتدريجية، في العلاقات بين إيران وأوروبا.



