مقالات

حوار باريس بين دمشق وتل أبيب: إدارة صراع أم شرعنة واقع جديد؟

آية معروف ـ مراسلين

لا يمكن النظر إلى استئناف الحوار السوري–الإسرائيلي في باريس بوصفه مجرد اختراق دبلوماسي عابر، بقدر ما يعكس محاولة مدروسة لإعادة إنتاج قواعد اشتباك جديدة في الجنوب السوري، تحت مظلة أمريكية تسعى إلى تثبيت “هدوء طويل الأمد” أكثر من سعيها إلى سلام شامل. فبعد سنوات من القطيعة، يعود الطرفان إلى الطاولة ليس بدافع المصالحة، بل نتيجة توازنات ميدانية وسياسية فرضت نفسها على الجميع.

الولايات المتحدة، التي تتصدر مشهد الوساطة، تبدو معنية قبل كل شيء بمنع انفجار الجبهة السورية–الإسرائيلية في لحظة إقليمية حساسة، حيث باتت أي مواجهة مفتوحة عبئاً استراتيجياً على واشنطن وحلفائها. ومن هنا، يمكن قراءة محادثات باريس كجزء من سياسة احتواء المخاطر، لا كمسار تسوية نهائية، وهو ما يفسر التركيز على “آليات تنسيق” و”خفض التصعيد” بدلاً من القضايا الجوهرية العالقة منذ عقود.

أما إسرائيل، فتتعامل مع هذا الحوار ببراغماتية أمنية واضحة. فهي تسعى إلى تحويل التفوق العسكري والواقع الميداني الذي راكمته في السنوات الأخيرة إلى تفاهمات سياسية تضفي عليه طابعاً منظماً، وربما مشروعاً، من خلال اتفاق أمني جديد. وفي هذا السياق، يبدو الحديث عن التعاون الاقتصادي وبناء الثقة محاولة لتوسيع سقف المكاسب، دون تقديم التزامات صريحة بشأن الانسحاب أو احترام السيادة السورية إلا ضمن شروط أمنية صارمة.

في المقابل، تدخل دمشق هذا المسار من موقع حذر، مدفوعة برغبة في إعادة تثبيت سيادتها ووقف الضربات الإسرائيلية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن ميزان القوى لا يعمل لصالحها بالكامل. ولذلك، فإن تمسكها بإحياء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، والمطالبة بجداول زمنية واضحة للانسحاب، يعكس محاولة لاستخدام الشرعية الدولية كأداة لمواجهة الوقائع المفروضة بالقوة، لا بوصفها مدخلاً لتطبيع سياسي مباشر.

اللافت أن الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق مشتركة بإشراف أمريكي، يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين الطرفين. فوجود “خلية اتصال” دائمة لا يعني تقارباً بقدر ما يعني خشية متبادلة من الانزلاق إلى مواجهة غير مقصودة. وبعبارة أخرى، نحن أمام تفاهم أمني هش، قابل للاهتزاز مع أول اختبار ميداني جدي.

كما لا يمكن تجاهل البعد السياسي الداخلي في كل من واشنطن وتل أبيب. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى تسجيل اختراق سياسي يُسوّق داخلياً وخارجياً كجزء من رؤيته للشرق الأوسط، فيما يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توظيف هذا المسار لإظهار قدرته على إدارة الملفات الأمنية الحساسة دون تقديم تنازلات جوهرية قد تثير انقساماً داخلياً.

ورغم الأجواء الإيجابية التي جرى الترويج لها عقب محادثات باريس، فإن السؤال الجوهري يبقى: هل تمهد هذه اللقاءات لاتفاق متوازن، أم أنها تكرّس واقعاً أمنياً جديداً تُدار فيه الحدود السورية–الإسرائيلية وفق الشروط الإسرائيلية وبضمانات أمريكية؟ حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن المسار أقرب إلى إعادة تدوير الصراع بأدوات سياسية، لا إلى معالجته من جذوره.
يبدو أن حوار باريس لا يفتح صفحة سلام بقدر ما يعيد كتابة هوامش الصراع. فبين حسابات الأمن الإسرائيلي، ومحاولات دمشق استعادة الحد الأدنى من السيادة، ورغبة واشنطن في تثبيت الاستقرار بأي ثمن، يبقى هذا المسار محكوماً بتوازنات دقيقة، قد تصمد مرحلياً، لكنها تظل عرضة للانفجار ما لم تُعالج الأسباب الحقيقية للنزاع، لا نتائجه فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews