مقالات

مرسوم الاعتراف بالكرد في سوريا: خطوة نحو المصالحة أم مناورة تكتيكية؟

بقلم : د. تغاريد محمد الفواز
المدير التنفيذي لمركز الأفق الدمشقي للإعلام

في خطوة مفاجئة، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم (13) لعام 2026، والذي يعترف رسمياً للمرة الأولى باللغة الكردية كلغة وطنية، ويمنح جملة من الحقوق الثقافية والمدنية للمواطنين السوريين الكرد. جاء الإعلان عن هذا المرسوم، الذي وصف بـالتاريخي، في وقت تشهد فيه البلاد، وخاصة مدينة حلب، توترات ميدانية وسياسية حادة، مما يطرح تساؤلات عديدة حول دوافعه الحقيقية وآفاق تطبيقه على أرض الواقع.

قراءة في النص: جذور أزمة ممتدة

يقطع المرسوم الرئاسي مع سياسات تاريخية طويلة عبر عدة محاور جوهرية:

· الاعتراف الهوياتي واللغوي: يؤكد أن المواطنين الكرد مكون أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية المتعددة والموحدة. ويُعد هذا أول اعتراف رسمي باللغة الكردية كلغة وطنية في تاريخ سوريا، مع السماح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة الكردية.
· معالجة ملف الجنسية: يلغي المرسوم جميع القوانين الاستثنائية الناجمة عن إحصاء عام 1962 المثير للجدل في محافظة الحسكة، والذي حرم عشرات الآلاف من الأكراد من الجنسية. وينص على منح الجنسية السورية لجميع المقيمين من أصول كردية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع المساواة الكاملة في الحقوق.
· الرموز الثقافية: يعلن عيد النوروز (21 آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في كافة أنحاء سوريا، باعتباره عيداً وطنياً يعبر عن الربيع والتآخي.
· خطاب جامع: يلزم المؤسسات الإعلامية والتربوية بتبني خطاب وطني جامع، ويحظر أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي.

السياق التكتيكي: المرسوم والأبعاد الميدانية

لا يمكن فصل توقيت صدور هذا المرسوم عن التصعيد العسكري الأخير في شمال سوريا، وهو ما تؤكده معظم التحليلات. فقد شهدت أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد في حلب اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أدت إلى سقوط ضحايا ونزوح آلاف المدنيين. في هذا الإطار، يظهر المرسوم كمحاولة لاستيعاب الصدمة وامتصاص الغضب الكردي الداخلي، وإرسال رسالة طمأنة لمنع اتساع رقعة الاحتقان.

الأبعاد السياسية للمرسوم:

· استباق الضغط الدولي: صدر المرسوم وسط مساعٍ دولية أميركية وفرنسية وبريطانية لتهدئة الأوضاع بين دمشق و”قسد”.
· تجاوز قسد: بخطابه المباشر إلى أهلنا الكرد، يحاول الشرع مخاطبة الشارع الكردي فوق رأس القيادات السياسية والعسكرية الكردية، وعرض صيغة للحل تقوم على المركزية الدمشقية ورفض أي شكل من أشكال الفيدرالية التي تطالب بها قسد صراحةً.
· ورقة تفاوضية: يمكن أن يكون المرسوم ورقة ضغط على قسد، بإطارها السياسي والعسكري، مفادها أن الدولة مستعدة لمنح حقوق ثقافية واسعة، ولكن في مقابل إعادة كامل السيطرة للدولة.

بين النص والواقع: تساؤلات الجدوى والاستمرارية

يثير المرسوم تساؤلات عميقة حول إمكانية ترجمته إلى حقيقة ملموسة:

· الطبيعة المؤقتة للمرسوم: يوجه مرسوم رئاسي، وليس تعديلاً دستورياً أو قانوناً يصدر عن مجلس تشريعي. وهو ما يفتح الباب أمام إمكانية إلغائه أو تعطيله بمرسوم لاحق، كما أشار بعض المعلقين.
· عقبة التطبيق: يكلف المرسوم الوزارات والجهات المعنية بإصدار التعليمات التنفيذية. وقد تكون البيروقراطية والمقاومة الخفية داخل مؤسسات الدولة عقبة كأداء أمام تنفيذه على الأرض، خاصة في مجالات مثل تدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية أو تغيير الخطاب الإعلامي الرسمي.
· الشرعيات المتصارعة: يتمسك المرسوم بمبدأ السيادة الوطنية والوحدة كإطار وحيد للحل. وهذا يتعارض جذرياً مع رؤية الإدارة الذاتية الكردية التي تدير مناطقها بنظام لامركزي منذ سنوات. السؤال الأكبر: هل يمكن استيعاب مكتسبات تجربة ذاتية طويلة داخل صيغة مركزية، حتى لو كانت أكثر انفتاحاً؟
· ردود الفعل المتباينة: بينما رأى البعض في المرسوم قراراً وطنياً وخطوة إيجابية، شكك آخرون بنواياه واعتبروه مناورة سياسية لا تعالج الجوهر. كما طالب بعض المعلقين بتعديل دستوري يجعل هذه الحقوق دائمة، وبتغيير اسم الجمهورية العربية السورية ليعكس التعددية القومية الفعلية.

الخاتمة: بين الاعتراف والمشاركة

يُمثل مرسوم الاعتراف بالكرد نقلة نوعية في الخطاب الرسمي السوري، ويعالج مظالم تاريخية. إلا أنه يصل في لحظة يسودها انعدام الثقة العميق وتصادم المشاريع على الأرض. قيمته الحقيقية لن تقاس بنصه، بل بقدرته على فتح حوار سياسي حقيقي وشامل، ينتقل من منطق منح الحقوق إلى منطق لشراكة في السلطة وصنع القرار المصالحة الوطنية تتطلب أكثر من اعتراف ثقافي؛ فهي تحتاج إلى إعادة تعريف العقد الاجتماعي على أسس المواطنة المتساوية والعدالة الانتقالية. المرسوم قد يكون مفتاحاً لهذا الباب إذا أتبع بإرادة سياسية حقيقية وحل شامل، أو قد يتحول إلى مجرد فصل جديد في إدارة الصراع دون حسم، إذا اقتصر على كونه أداة تكتيكية في معركة إرادات لم تنته بعد.

وفي النهاية، نتمنى أن تكون بلادنا موحدة، وأن نعمل جميعاً لأجل رفعتها وازدهارها

أمجد أبو عرفة

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews