مقالات

فلسطين كمؤشر أخلاقي للنظام الدولي: حين يسقط الخطاب وتتكشف الحقيقة

بقلم : آلاء أسيل بو الأنوار

لم تكن القضية الفلسطينية يومًا مجرد صراع إقليمي بين شعب محتل وقوة احتلال، بل كانت، ولا تزال، مرآة كاشفة لطبيعة النظام الدولي وحدود عدالته وصدق خطابه الأخلاقي. فمنذ أكثر من سبعة عقود، تحولت فلسطين إلى اختبار دائم لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وكلما اشتدت الأزمات، ازداد وضوح حقيقة مؤلمة: فلسطين ليست فقط قضية سياسية، بل مؤشر أخلاقي يفضح ازدواجية المعايير في بنية النظام الدولي المعاصر.

لقد تأسس النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على وعد أخلاقي كبير: “ألا تتكرر المآسي”، وأن تحكم العلاقات الدولية مبادئ العدالة والقانون بدل شريعة القوة. غير أن التجربة الفلسطينية أثبتت أن هذا الوعد ظل انتقائيًا، يطبق على الضعفاء ويُعطل عندما يمس مصالح الأقوياء أو حلفاءهم. وهنا تكمن خطورة فلسطين: فهي تكشف الهوة بين الخطاب الحقوقي الغربي والممارسة السياسية الفعلية.

في فلسطين، تتوفر كل عناصر الانتهاك الواضح للقانون الدولي:

احتلال عسكري طويل الأمد.

مصادرة الأراضي والاستيطان.

الحصار الجماعي.

استهداف المدنيين.

إنكار حق تقرير المصير.

ومع ذلك، لا يقابل ذلك بإرادة دولية حقيقية لفرض العدالة أو المساءلة. بل نلاحظ، في كثير من الأحيان، كيف يُعاد تعريف المفاهيم القانونية نفسها لتبرير ما لا يمكن تبريره: يتحول الاحتلال إلى “نزاع”، والعدوان إلى “دفاع عن النفس”، والضحايا إلى “أضرار جانبية”. وهنا يسقط البعد الأخلاقي للقانون الدولي، ويُختزل في لغة سياسية باردة.

فلسطين، في هذا المعنى، ليست استثناءً، بل نموذجًا. إنها تبرهن أن النظام الدولي لا يعمل بمنطق العدالة المجردة، بل بمنطق القوة والتحالفات. ولذلك، فإن صمت المؤسسات الدولية أو عجزها ليس مجرد فشل إداري أو قانوني، بل تعبير عن أزمة أخلاقية عميقة في النظام العالمي.

إن أخطر ما في المشهد هو أن هذا التناقض لم يعد خافيًا على الشعوب. فالمجتمعات، خاصة في الجنوب العالمي، باتت تدرك أن خطاب حقوق الإنسان الذي يرفع في المحافل الدولية لا يحمي الفلسطيني، ولا يحمي غيره من الشعوب الضعيفة. وهذا ما يولد شعورًا متزايدًا بانهيار الثقة في النظام الدولي برمته، ويغذي نزعات الرفض والتمرد على شرعيته.

وفي المقابل، فإن الدعم الشعبي العالمي لفلسطين، في الجامعات، والشارع، ووسائل التواصل الاجتماعي، يكشف أن البعد الأخلاقي لم يمت، لكنه انتقل من المؤسسات الرسمية إلى ضمير الشعوب. وكأن فلسطين أصبحت خط التماس بين “أخلاق الشعوب” و”سياسة الدول”. فبينما تحكم المصالح سلوك الحكومات، ما زالت القيم الإنسانية حاضرة بقوة في وعي المجتمعات.

إن فلسطين تطرح سؤالًا جوهريًا:

هل القانون الدولي أداة لتحقيق العدالة، أم مجرد غطاء قانوني لإدارة الهيمنة؟

فإذا كان القانون لا يُطبق حين يكون الطرف المنتهك قويًا، فما قيمته؟ وإذا كانت حقوق الإنسان تُنتقى حسب الجغرافيا والتحالفات، فأي عالم أخلاقي ندعي بناءه؟

من زاوية أوسع، يمكن القول إن فلسطين تمثل “الحد الأخلاقي” للنظام الدولي. فكل نظام سياسي أو قانوني يُقاس بقدرته على حماية الأضعف، لا الأقوى. وحين يعجز النظام الدولي عن حماية شعب محتل منذ عقود، فإنه يفشل في اختبار شرعيته الأخلاقية قبل فشله القانوني.

كما أن استمرار المأساة الفلسطينية يعيد إحياء منطق القوة بدل منطق القانون. فحين يرى العالم أن الإفلات من العقاب ممكن، وأن العدالة مؤجلة إلى أجل غير مسمى، تصبح القوة الوسيلة الوحيدة لفرض الوجود. وهكذا ندخل في حلقة مفرغة: ظلم يولد مقاومة، ومقاومة تُقابل بقوة أكبر، بينما يقف القانون الدولي شاهدًا صامتًا.

بالنسبة للدول العربية والإسلامية، وفلسطين خاصة، فإن البعد الأخلاقي للقضية يتجاوز التضامن السياسي إلى الدفاع عن فكرة العدالة الدولية نفسها. فالدفاع عن فلسطين هو دفاع عن معنى القانون الدولي، وعن فكرة أن العالم لا يمكن أن يُدار بمنطق الهيمنة وحدها. وهو دفاع عن مستقبل العلاقات الدولية العادلة، لا عن شعب واحد فقط.

أما بالنسبة للجزائر، فإن موقفها التاريخي من فلسطين لا يمكن فهمه فقط في إطار الانتماء القومي أو التضامن السياسي، بل في إطار رؤية أخلاقية للسياسة الدولية. فالجزائر، التي وُلدت من رحم مقاومة استعمارية طويلة، تدرك أن فلسطين ليست مجرد قضية خارجية، بل قضية مبدئية تمس جوهر الحق في التحرر والكرامة الإنسانية. ولذلك، فإن دفاعها عن فلسطين هو دفاع عن منطق العدالة في عالم يتجه نحو شرعنة القوة.

في النهاية، تبقى فلسطين سؤالًا مفتوحًا في ضمير العالم:

إما أن تعود العدالة إلى مركز النظام الدولي،

وإما أن يُعترف صراحة بأن هذا النظام لا يحكمه القانون، بل تحكمه موازين القوة.

ولهذا، فإن فلسطين ليست قضية هامشية في السياسة الدولية، بل هي مقياس أخلاقي شامل. فمن موقف العالم منها، يمكننا أن نعرف:

هل ما زال هناك نظام دولي أخلاقي فعلًا؟

أم أننا نعيش في عالم يتزين بالقانون، بينما يُدار بالقوة؟

أمجد أبو عرفة

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews