علوم وتكنولجيا

«رفيق الذكاء الاصطناعي».. لماذا يبوح له بعض الشباب بأسرارهم؟

دراسات ترصد جاذبية المحادثة المتاحة دائمًا، ومختصون يحذرون من تحولها إلى بديل للعلاقات والرعاية النفسية.

شبكة مراسلين

أصبح استخدام روبوتات المحادثة للبوح بالمشاعر وطلب المشورة موضوعًا يتجاوز النقاش التقني إلى أسئلة تتعلق بالعلاقات والصحة النفسية. وفي موجز نشرته في يونيو/حزيران 2026، رصدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» لجوء أطفال وشباب إلى هذه الأنظمة للحصول على النصيحة والدعم، وأحيانًا لبناء علاقات، داعيةً إلى حماية استباقية لحقوق الأطفال وسلامتهم.

وتستند هذه المادة إلى دراسات وتقارير وتصريحات منشورة، مع التمييز بين نتائج الأبحاث وتقديرات أصحابها. وهي لا تفترض أن الشباب استبدلوا أصدقاءهم بالذكاء الاصطناعي؛ فالأدلة المتاحة ترسم صورة أكثر تنوعًا.

لماذا تبدو المحادثة جذابة؟

في استطلاع نشرته مؤسسة «كومن سينس ميديا» في يوليو/تموز 2025، وشمل 1,060 مراهقًا أمريكيًا بين 13 و17 عامًا، قال 72% إنهم استخدموا رفقاء الذكاء الاصطناعي مرة واحدة على الأقل.

وكان الترفيه والفضول أبرز دوافع الاستخدام. ومن بين المستخدمين، قدّر بعضهم توافر المحادثة في أي وقت، وشعورهم بأنها لا تحكم عليهم، بينما قال آخرون إنهم يستطيعون مشاركة أمور لا يخبرون بها الأصدقاء أو الأسرة. وهذه نتائج تخص العينة الأمريكية، ولا تمثل قياسًا لانتشار الظاهرة بين المراهقين العرب.

وتساعد هذه الدوافع على فهم جاذبية الرفيق الرقمي: فسهولة بدء الحديث، وانخفاض الشعور بالحرج لدى بعض المستخدمين، قد يجعلان الشاشة مدخلًا للبوح. لكن الشعور بالارتياح لا يثبت دقة النصيحة أو سلامة الاعتماد عليها.

هل يفضّلون الروبوت على الأصدقاء؟

لا تدعم نتائج الاستطلاع تعميم هذا الاستنتاج. فقد وصف 67% من المراهقين المشاركين المحادثات مع رفقاء الذكاء الاصطناعي بأنها أقل إرضاءً من الحديث مع أصدقائهم الحقيقيين. وقال 21% إنها مماثلة تقريبًا، مقابل 10% وجدوها أكثر إرضاءً.

وتوضح هذه الفروق أن تجربة التطبيق، والاستمتاع به، وتفضيله على العلاقات الإنسانية ليست أمرًا واحدًا. كما أن استخدامه للترفيه يختلف عن اتخاذه مصدرًا أساسيًا للدعم العاطفي.

ماذا تقول الأبحاث عن الوحدة؟

تابعت دراسة لباحثين من مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا و«أوبن إيه آي» استخدام روبوت محادثة على مدى أربعة أسابيع. وشملت العينة النهائية 981 مشاركًا بالغًا، ورصدت ارتباطًا بين الاستخدام اليومي الأعلى وزيادة الوحدة والاعتماد العاطفي والاستخدام الإشكالي، مع انخفاض التواصل مع الآخرين.

غير أن هذه النتيجة لا تعني أن كل محادثة تسبب العزلة، ولا تثبت أن كثافة الاستخدام وحدها سببت النتائج المرصودة. فقد اختلفت التأثيرات بحسب نمط الاستخدام وخصائص المشاركين. كذلك اقتصرت الدراسة على أشخاص تجاوزوا 18 عامًا، ما يحد من تعميمها على المراهقين الأصغر سنًا.

رأي مختص عربي: الانتباه إلى استبدال العلاقات

في تصريحات نشرتها «بوابة الأهرام» في 6 سبتمبر/أيلول 2026، رأى استشاري الطب النفسي جمال فرويز أن هذه التطبيقات قد توفر لبعض الأشخاص مساحة للحوار أو تخفيف الشعور بالوحدة، لكنه حذر من تحولها إلى البديل الوحيد للعلاقات الإنسانية.

وبحسب فرويز، يستحق الأمر الانتباه عندما يبتعد المستخدم تدريجيًا عن أسرته وأصدقائه، أو يصبح التواصل مع الشخصية الافتراضية مصدره الأساسي للدعم النفسي والعاطفي، ويشعر بصعوبة الاستغناء عنها. وهذه تقديرات منشورة للمختص، وليست تشخيصًا ينطبق على كل مستخدم.

حدود المساعدة وحدود الثقة

توضح الجمعية الأمريكية لعلم النفس، في إرشادات منشورة عام 2026، أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تساعد بعض من يتلقون رعاية مهنية في تنظيم أفكارهم والاستعداد للنقاش مع المعالج. لكنها تؤكد أنها ليست بديلًا آمنًا وفعالًا للرعاية التي يقدمها مختص مؤهل.

وتنبه الجمعية إلى أن النبرة الواثقة أو الداعمة، وحتى الاستشهاد بمصادر، لا تمنع النظام من تقديم معلومات خاطئة أو ناقصة. وتوصي بالتحقق من المعلومات المتعلقة بالصحة النفسية مع مقدم رعاية مختص.

ما الذي تستطيع الأسرة فعله؟

ينصح مختصون تحدثوا إلى أسوشيتد برس ببدء حوار هادئ مع المراهق حول ما يجذبه إلى هذه التطبيقات، وما يشاركه معها. وتشمل العلامات التي تستحق الانتباه تراجع التواصل الإنساني، وقضاء وقت مفرط في المحادثة، والشعور بضيق شديد عند الانقطاع عنها. وهذه مؤشرات تستدعي الفهم والتقييم، وليست تشخيصًا مستقلًا.

وتشمل الخطوات العملية مناقشة خصوصية البيانات، والاتفاق على حدود للاستخدام تحمي النوم والدراسة والأنشطة الاجتماعية، وتوضيح أن الاستجابة الودودة من البرنامج لا تعادل علاقة إنسانية متبادلة. وعند وجود معاناة نفسية، ينبغي أن يبقى الوصول إلى شخص موثوق أو مختص متاحًا، بدل حصر طلب المساعدة في التطبيق.

ولا تقتصر المسؤولية على الأسر. ففي توصياتها الصادرة في يونيو/حزيران 2026، دعت «يونيسف» الشركات إلى اختبار مخاطر هذه الأنظمة على سلامة الأطفال وخصوصيتهم واستقلاليتهم ورفاههم النفسي، وتطبيق ضمانات أشد على المنتجات ذات الخصائص العاطفية والتفاعلية الأكثر كثافة.

وتبقى المسألة أوسع من عدد الرسائل أو دقائق الاستخدام: ما الدور الذي تشغله المحادثة في حياة الشاب؟ وهل تساعده على التعامل مع واقعه، أم تتزامن مع انسحابه منه؟ الإجابة تتطلب النظر إلى علاقاته وحالته واحتياجاته، مع استمرار البحث في آثار هذه الأدوات على المدى الطويل.

أبوبكر إبراهيم اوغلو - شبكة مراسلين

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى