صفقات بدلاً عن الأزمات.. أميركا تقود العالم برؤية متعدد الأقطاب وتأجيج النّزاعات

بقلم : بارعة جمعة
لم يكن دخول العالم عام 2026 ضمن حالة الترقب والانتظار لبداية تحولات جيو سياسية وتحركات دبلوماسية اعتيادية، بل تحولت إلى حالة يومية من قراءة المشهد العالمي، المليء بالتحولات غير الاعتيادية في سياسة دولة عرفت بأنها مكان رسم السياسات العالمية ومنطلق القرارات الدولية التي تنظم أدوار الدول كافة بما فيها الشرق الأوسط.
تبرز أميركا اليوم بقيادة رئيسها “المجنون” دونالد ترمب وفق ما يصفه الكثير، ممن قرؤوا عملية “العزم المطلق” التي لم تكن مجرد عملية إنفاذ قانون باعتقال نيكولاس مادورو بتهمة الإرهاب المرتبط بالمخدرات، بل إعلاناً صريحاً بأن إسقاط نظام كاراكاس واحتجاز رؤوسهم في سجون نيويورك ضمن أسلوب يحاكي سيناريو “نورييغا” في “بنما” عام 1989، بهدف تأمين أكبر احتياطي نفطي في العالم تحت إدارة شركات أميركية، وتوجيه صفعة قاسية للنفوذ الصيني والروسي والايراني وفق مراقبين.
طموحات ترمب.. رسم ملامح الإمبراطورية الاقتصادية – الجيوسياسية
من فنزويلا إلى جرينلاند.. تظهر بوادر تشكيل عقيدة ترمب الاقتصادية، لكن المرة بأسلوب ملفت وأكثر جرأة، من هنا يبدأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإعادة تشكيل مفهوم السيادة الوطنية والقانون الدولي ضمن منطق الاستحواذ الاستراتيجي المبرر بالنسبة له، واعتماد الدهاء السياسي ومنطق القوة العسكرية وسيلة للتنفيذ وإطلاق الوعود المستقبلية.
بالنسبة لترمب النفط ليس سلعة، بل هو شرارة الهيمنة الذي يجب استعادته، وكذلك الأمر بالنسبة للمعادن، حيث أن نفط فنزويلا لا يؤمن الطاقة التقليدية، بينما معادن جرينلاند النادرة هي أمل المستقبل الأميركي بالنفط والمحرك لثورة الذكاء الاصطناعي والتفوق العسكري الرقمي.
سلاح الرسوم الجمركية والضغط الاقتصادي القوي بات عنوان السياسة الأميركية، ضد كل من يعارض مشروع ترمب في جرينلاند، وسط اتهامات واضحة بعدم قدرة الدنمارك على حماية الجزيرة من الأطماع الصينية، من هنا بدأ التلويح من البيت الأبيض والترويج لضرورة السيطرة على جرينلاند لإنشاء نظام دفاع صاروخي غير مسبوق، وأهداف أميركية واضحة بكسر احتكار الصين لسوق المعادن الحرجة (الليثيوم والنيوديميوم).
خطط ترمب التوسعية لم تأتِ من فراغ، بل من رغبة بتخليد اسمه إلى جانب الرؤساء الذين عملوا على توسيع مساحة الولايات المتحدة، لتبدو اليوم أطماعه أحد أكبر الصفقات العقارية في تاريخ العالم الحديث.
اتفاقات أم نزاعات!!.. إلى أين يتجه العالم اليوم؟!
طموحات ترمب التوسعية والجدل حول الهوية الوطنية لكثير من دول الشرق الاوسط، تفتح الباب أمام احتمالات كثيرة، يعطيها المشهد المتنوع للصراعات الثقافية والجيوسياسية الراهنة.
ضمن تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية، تقول “جاكلين أليماني” مراسلة تحقيقات شؤون الكونغرس و”كات زاكريفسكي” المتخصصة بسياسة التكنولوجيا الوطنية عن تصريحات الرئيس ترمب بشأن إمكانية الاستحواذ على “جرينلاند” واستعادة السيطرة على قناة “بنما”، واعتبار “كندا” الولاية الأميركية رقم 51 تعكس رؤية التوسع الإقليمي لتعزيز القوة الأميركية، ما يمثل تحولاً بارزاً عن الاعراف الدبلوماسية التقليدية.
تصف الكاتبتان المنهجية التي يتبعها ترمب والتي تتسم بخطاب توسعي وتكتيكات غير متوقعة، أنها ستؤدي إلى إعادة تشكيل العلاقات الخارجية للولايات المتحدة الأميركية.
بالمقابل، يرى “ريان بيرغ” من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أن تركيز الرئيس الأميركي على شؤون نصف الكرة الغربي، يعكس قناعته بأن نفوذ الولايات المتحدة فيها قوي إذا ما قورن بمناطق أخرى يتنافس فيها النفوذ الأميركي مع الروسي والصيني.
تقودنا هذه التحليلات إلى النظر في السياق التاريخي لتصريحات ترمب، التي لا تختلف في لهجتها عن الاستعمار الذي عادة ماكان يبدأ بشعار الإنسانية وينتهي بمعسكرات الاحتلال.. وما يتم استخدامه اليوم من عبارات باسم العدالة والسلام هي ذاتها التي رفعت على سواحل إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، إلا أن الفرق الوحيد أن الوسائل تبدلت لكن الهدف واحد، وهو السيطرة على القرار الوطني ونهب الثروة باسم القانون الدولي.
المشهد في فنزويلا ليس مجرد خلاف سياسي، بل صورة جديدة واختبار عملي النظام العالمي الجديد.. عالمٌ تتحول فيه القوة إلى قانون والرأي الأميركي الى مرجع أخلاقي، وما يجري اليوم ليس إلا صفحة في رواية طويلة من روايات التحكم بالعالم الثالث، رواية تكتبها أميركا بحبر النفط والثروات والمعادن، وتوزعها على الجميع للتذكير بأن من يخرج من تحت عباءة الأميركي سيلقى مصيره أمامه، رسالة كتبت بلا إذن أو معاهدة..



