
بقلم : إيهاب الكيالي – كاتب ومحلل سياسي
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو هل سيتغير النظام العالمي؟ بل متى وكيف سيتم تفكيك البنية الدولية التي حكمت العالم لعقود طويلة، وفشلت فشلًا ذريعًا في منع الحروب، أو تحقيق العدالة، أو حتى حماية أبسط مبادئ السلم الدولي. الأمم المتحدة، التي وُلدت من رحم الحرب العالمية الثانية، تقف اليوم عاجزة، مترهلة، ومختطفة سياسيًا، وتتحول بسرعة من مظلة دولية إلى شاهد زور على الجرائم والنزاعات.
لقد أثبتت التجربة أن هذه المؤسسة لم تعد إطارًا جامعًا، بل أداة بيد القوى الكبرى، تُستخدم وفق المزاج السياسي للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن. خمس دول فقط تحتكر قرار الحرب والسلام، تُجيز القتل حين يخدم مصالحها، وتعطّل العدالة حين تمسّ حلفاءها. وهنا تحديدًا يكمن جوهر الأزمة.
سقوط قدسية مجلس الأمن
مجلس الأمن الدولي لم يعد مجلسًا للأمن، بل مجلسًا للشلل السياسي. حق النقض “الفيتو” تحوّل إلى سلاح لحماية الاحتلال، وتبرير العدوان، وتكريس ازدواجية المعايير. مئات القرارات بقيت حبرًا على ورق، وملايين الضحايا سقطوا بينما كان المجلس عاجزًا عن إصدار بيان إدانة، لأن دولة كبرى قررت أن مصالحها أعلى من دماء البشر.
هذا الواقع جعل الدعوة إلى إلغاء مجلس الأمن بصيغته الحالية، أو تجاوزه بمؤسسات بديلة، أمرًا مشروعًا بل وضروريًا. فالمؤسسات التي تفشل في أداء وظيفتها الأساسية تفقد شرعيتها تلقائيًا.
“العالم أكبر من خمسة”… نبوءة تحققت
منذ أكثر من عقد، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سبّاقًا في كسر المحرّم السياسي الدولي حين قالها بوضوح ودون مواربة: العالم أكبر من خمسة. لم تكن تلك عبارة شعبوية ولا شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل إعلان مواجهة مباشرة مع نظام دولي ظالم ومغلق.
اليوم، وبعد سنوات من الفوضى الدولية، والحروب بالوكالة، والعدوان السافر الذي يُشرعن بقرارات انتقائية، يتأكد أن ما قاله أردوغان لم يكن رأيًا، بل توصيفًا دقيقًا لخلل تاريخي بات يهدد استقرار العالم بأسره.
نهاية الاحتكار وبداية التمرد الدولي
ما لم يعد خافيًا هو أن العالم لم يعد يقبل بإدارة دولية تُدار من فوق، ولا بشرعية تُمنح بالقوة. قوى إقليمية ودولية جديدة خرجت من الهامش، وفرضت نفسها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، رافضةً البقاء رهينة نظام صُمّم لخدمة المنتصرين في حرب انتهت قبل ثمانية عقود.
هذا الصعود لا يمكن احتواؤه ببيانات أممية، ولا كبحه بفيتو سياسي. بل يفرض إعادة صياغة كاملة لقواعد اللعبة الدولية، ومفاهيم السيادة، والحرب، والسلام، والشرعية.
مجلس السلام… أو الفوضى المفتوحة
إن الحديث عن مجلس سلام دولي بديل، أوسع تمثيلًا وأكثر عدالة، لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. فإما نظام دولي جديد يقوم على التوازن الحقيقي والشراكة، وإما استمرار الفوضى العالمية التي تهدد بانفجارات كبرى لا يمكن السيطرة عليها.
العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم:
إما تفكيك نظام الخمسة وإنهاء احتكار القرار الدولي،
أو الانزلاق نحو عصر شريعة الغاب، حيث القوة وحدها تصنع الشرعية.
خاتمة بلا مجاملة
الأمم المتحدة، بصيغتها الحالية، تقترب من نهايتها السياسية والأخلاقية. ومجلس الأمن فقد شرعيته قبل أن يفقد فعاليته. والتاريخ لا يرحم المؤسسات التي تعجز عن التطور أو ترفض الاعتراف بفشلها.
وداعًا لنظام دولي عفا عليه الزمن،
وأهلًا بعالم جديد…
عالم لا يُدار بالفيتو، بل بالعدل،
ولا يُحكم بالخمس، بل بإرادة الشعوب.



