
شبكة مراسلين
بقلم: عبدالله حسن زيد
لا يزال الصراع الأمريكي الإيراني يتصدر المشهد السياسي في الشرق الأوسط، في ظل تداعيات تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة لتطال أسواق الطاقة، وأمن الملاحة الدولية، وتوازنات القوى الإقليمية، فضلاً عن انعكاساته على الحسابات السياسية الداخلية في واشنطن وطهران.
وفي هذا السياق، تكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بكلفة الحرب وأسعار الوقود، وتتصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة إلى جبهات إقليمية جديدة.
وفي الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة لن تستأنف الهجمات على إيران قبل موعد الانتخابات، مشيراً إلى وجود مناقشات وصفها بالإيجابية مع طهران. ويطرح هذا الإعلان تساؤلات بشأن دوافعه وحدود تأثيره في مسار الحرب وهل يعكس تحولاً حقيقياً نحو التسوية، أم أنه خطوة لاحتواء التصعيد خلال مرحلة شديدة الحساسية سياسياً واقتصادياً؟
من الضروري هنا التمييز بين إعلان عدم استئناف الهجمات خلال فترة زمنية محددة، وبين التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار أو إنهاء الحرب. فالتعهد الأمريكي، بحد ذاته، لا يعني زوال أسباب الصراع، ولا يضمن استمرار التهدئة بعد انقضاء الفترة المحددة، لكنه قد يفتح نافذة إضافية أمام المسار الدبلوماسي ويمنح الطرفين فرصة لإعادة تقييم خياراتهما.
يمكن قراءة إعلان ترامب في ضوء مجموعة من الاعتبارات المتداخلة، في مقدمتها الحسابات الانتخابية والاقتصادية. فالحرب التي تطول مدتها وتتزايد تكاليفها قد تتحول إلى عبء سياسي على الإدارة الأمريكية، خصوصاً إذا اقترنت بارتفاع أسعار الوقود وتزايد المخاوف بشأن التضخم وتكاليف المعيشة.
وتزداد حساسية هذه المسألة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، التي ستحدد موازين القوى داخل الكونغرس، وتؤثر في قدرة الإدارة على تمرير أجندتها التشريعية والسياسية. ومن ثم، فإن تجنب جولة عسكرية جديدة قبل الانتخابات قد يمنح البيت الأبيض فرصة لتقليص المخاطر الاقتصادية والسياسية، ويحد من احتمالات تحول الحرب إلى محور رئيسي في الجدل الانتخابي.
غير أن اختزال القرار الأمريكي في العامل الانتخابي وحده سيكون تبسيطاً للمشهد. فواشنطن تواجه أيضاً اعتبارات عسكرية واستراتيجية تتعلق بحماية قواتها ومصالحها الإقليمية، وتجنب الردود الإيرانية المحتملة، ومنع اتساع المواجهة إلى ساحات يصعب احتواء تداعياتها.
كذلك، قد يمثل التوقف عن استئناف الهجمات فرصة لاختبار إمكان إحراز تقدم دبلوماسي، أو محاولة لإدارة الصراع من موقع تفاوضي أفضل. وفي المقابل، لا يمكن استبعاد أن يكون القرار تكتيكياً ومؤقتاً، هدفه إعادة ترتيب الأولويات من دون التخلي عن الخيارات العسكرية مستقبلاً.
وعليه، فإن المؤشر الأهم لن يكون التصريح الأمريكي وحده، بل ما إذا كان سيترجم إلى خطوات عملية، تشمل تبادل المقترحات، وتخفيف القيود التي تعرقل التفاوض، والتوصل إلى تفاهمات قابلة للاستمرار.
في المقابل، تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية وعسكرية قد تدفعها إلى إعادة تقييم كلفة استمرار الحرب. فكلما طالت المواجهة، ازدادت صعوبة الموازنة بين متطلبات الدفاع، وحماية البنية التحتية، والحفاظ على الموارد الاقتصادية، وإدارة التداعيات الداخلية للصراع.
لكن الضغوط لا تعني بالضرورة أن طهران أصبحت مستعدة لقبول جميع الشروط الأمريكية. فقد تسعى القيادة الإيرانية إلى توسيع هامش المناورة الدبلوماسية، مع الاحتفاظ بأوراق القوة التي تعتقد أنها قادرة على تحسين شروط أي تسوية محتملة.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الانفتاح على المفاوضات بوصفه أداة لإدارة الصراع، وليس دليلاً قاطعاً على الاستعداد لتقديم تنازلات جوهرية. فالتفاوض قد يهدف إلى تخفيف الضغط الاقتصادي، أو منع اتساع العمليات العسكرية، أو كسب الوقت لإعادة تنظيم القدرات، أو الجمع بين هذه الأهداف.
وتتمثل المسألة الأساسية في قدرة الطرفين على الانتقال من تبادل الرسائل السياسية إلى التفاهم على القضايا التي أدت إلى استمرار الحرب، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني، وأمن الملاحة البحرية، والضمانات المتعلقة بعدم تجدد المواجهة.
وحتى يتحقق ذلك، ستظل احتمالات التهدئة مرتبطة بحسابات متغيرة، لا بمجرد إعلان الرغبة في الحوار.
وإذا ما أردنا فهم المسار المحتمل للصراع الأمريكي الإيراني، فلا بد من التوقف عند ارتفاع كلفة الحرب، باعتباره أحد أهم العوامل التي قد تدفع الطرفين إلى إعادة النظر في خياراتهما.
لكن هذه الكلفة لا تتخذ شكلاً واحداً لدى الجانبين. فالولايات المتحدة تواجه أعباء العمليات العسكرية، ومخاطر استنزاف الموارد والذخائر، واحتمالات تعرض قواتها ومصالحها الإقليمية للرد، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية والسياسية لاضطراب أسواق الطاقة.
أما إيران، فتواجه بدورها ضغوطاً اقتصادية وعسكرية، وتحديات تتعلق بحماية قدراتها الدفاعية والهجومية، والحفاظ على مواردها، ومنع انتقال تداعيات الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه داخلياً.
وبذلك، لا يتعلق الأمر بتساوي كلفة الحرب بين الطرفين، بل باختلاف طبيعتها وأثرها في حسابات كل منهما. فقد يكون استمرار المواجهة مقبولاً لدى طرف ما إذا اعتقد أن بإمكانه تحسين شروطه الاستراتيجية، لكنه قد يصبح أقل جاذبية عندما تتراجع المكاسب المتوقعة مقارنة بالأعباء المتراكمة.
وهنا تبرز معادلة أساسية: ليس من الضروري أن يتفق الطرفان على أهدافهما النهائية حتى يختارا خفض التصعيد. فقد يتجهان إلى التهدئة لأن استمرار الحرب يفرض عليهما تكاليف متزايدة، حتى مع استمرار الخلافات الجوهرية بينهما.
ومع ذلك، فإن ارتفاع الكلفة لا يقود تلقائياً إلى التسوية. فقد يعتقد كل طرف أن الطرف الآخر هو الأكثر تضرراً، وأن مواصلة الضغط ستجبره في النهاية على التراجع. وفي هذه الحالة، قد يتحول استنزاف الموارد إلى سبب إضافي لإطالة الحرب بدلاً من إنهائها.
وكما نرى أنها لا تقتصر تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني على ساحة المواجهة المباشرة، بل تمتد إلى جبهات إقليمية يمكن أن تؤثر في حسابات الطرفين، وفي مقدمتها اليمن ومحيط مضيق باب المندب.
وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، إذ يمثل المضيق أحد الممرات البحرية الرئيسية لحركة التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس. ومن شأن تصاعد التهديدات للملاحة في هذه المنطقة أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويزيد المخاطر على سلاسل الإمداد، وقد ينعكس بصورة غير مباشرة على أسواق الطاقة.
وفي هذا السياق، تبرز معضلة أمام واشنطن تتمثل في الموازنة بين دعم حلفائها الإقليميين وتجنب التورط في مواجهة عسكرية إضافية قد تشتت مواردها وتزيد من مخاطر التصعيد.
وقد أشارت تقارير صحفية خلال سبتمبر وأكتوبر 2026 إلى امتناع الولايات المتحدة عن الانخراط العسكري المباشر في بعض العمليات ضد الحوثيين، رغم الضغوط السعودية، مع استمرار أشكال من الدعم الاستخباراتي والعسكري غير المباشر.
ويمكن قراءة هذا الموقف باعتباره محاولة لتجنب فتح جبهة جديدة في وقت لا تزال فيه المواجهة مع إيران تمثل أولوية استراتيجية أمريكية. كما قد يعكس رغبة واشنطن في الاحتفاظ بهامش من المناورة، بحيث لا تتحول الضغوط التي يمارسها حلفاؤها إلى التزام عسكري مفتوح يصعب التحكم في مدته وتكاليفه.
وفي المقابل، قد يؤدي اتساع التهديدات للملاحة في البحر الأحمر ومحيط باب المندب إلى زيادة الضغط على الولايات المتحدة، عبر رفع المخاطر الاقتصادية والأمنية، ودفعها إلى تخصيص موارد إضافية لحماية الممرات البحرية.
ومن الممكن أن تستفيد إيران استراتيجياً من هذا الوضع، إذا أسهم في تشتيت الاهتمام العسكري الأمريكي أو رفع كلفة حماية المصالح الإقليمية لواشنطن.
وتكمن خطورة هذه الجبهة في أنها قد توسع دائرة المخاطر من دون أن تقدم بالضرورة حلاً للصراع الأساسي. فتعطيل الملاحة أو تهديدها قد يرفع الكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى ردود عسكرية مضادة، ويزيد من تعقيد المفاوضات، ويعرض اقتصادات المنطقة لمزيد من الاضطرابات.
وإلى جانب باب المندب، يظل مضيق هرمز عنصراً مركزياً في حسابات الحرب، نظراً إلى أهميته في حركة صادرات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية.
ومن هنا، يمكن فهم أمن الممرات البحرية بوصفه جزءاً من معادلة الضغط المتبادل بين واشنطن وطهران. فكلما ارتفعت مخاطر تعطل الملاحة، ازدادت الضغوط على الأطراف المعنية للبحث عن ترتيبات تقلل احتمالات التصعيد.
لكن استخدام الممرات البحرية ورقةً للضغط يحمل مخاطر متبادلة. فإيران قد تسعى إلى توظيف موقعها الجغرافي لتعزيز موقفها التفاوضي، إلا أن تصعيد التهديدات للملاحة قد يستدعي إجراءات عسكرية واقتصادية مضادة، ويزيد من عزلة طهران أو يرفع كلفة المواجهة عليها.
وبالمثل، فإن لجوء واشنطن إلى خيارات عسكرية أوسع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذا تسبب في اضطراب أكبر لأسواق الطاقة أو دفع إيران إلى توسيع نطاق الرد.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى أمن الممرات البحرية بوصفه تفصيلاً ثانوياً في الصراع، بل باعتباره أحد الملفات التي قد تحدد شكل أي تفاهم مستقبلي، إلى جانب الملف النووي والضمانات الأمنية المتبادلة.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار الحرب الأمريكية الإيرانية، مع التأكيد أن تحقق أي منها سيظل مرتبطاً بتطورات الميدان، ومواقف الطرفين، ومدى تقدم الاتصالات الدبلوماسية.
السيناريو الأول: خفض التصعيد خلال المرحلة الانتخابية
يقوم هذا السيناريو على استمرار الامتناع الأمريكي عن استئناف الهجمات قبل انتخابات التجديد النصفي، بالتوازي مع احتواء المواجهة وتجنب خطوات قد تؤدي إلى ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة أو توسع العمليات العسكرية.
ويستند هذا الاحتمال إلى حساسية التوقيت الانتخابي، وإلى رغبة الإدارة الأمريكية في تقليص المخاطر السياسية والاقتصادية خلال الأسابيع التي تسبق الاقتراع.
لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب ألا تستغل أي من الجهات المعنية فترة التهدئة لتوسيع المواجهة على نحو يؤدي إلى انهيارها. كما أن خفض التصعيد قبل الانتخابات لا يعني بالضرورة استمرار المسار نفسه بعدها.
السيناريو الثاني: تهدئة جزئية تمهد لمفاوضات أوسع
يفترض هذا السيناريو أن ينجح الطرفان في التوصل إلى تفاهمات محدودة، تتناول بعض جوانب المواجهة، وتتيح الانتقال تدريجياً إلى مفاوضات أكثر شمولاً.
وقد تشمل هذه التفاهمات ترتيبات تتعلق بأمن الملاحة وفتح مضيق هرمز، وآليات منع تجدد الهجمات، إلى جانب بحث الملف النووي الإيراني والقضايا المرتبطة به.
ويمثل هذا السيناريو فرصة لخفض المخاطر العسكرية والاقتصادية، لكنه يواجه عقبات تتعلق بتباين أهداف الطرفين، ومستوى الثقة بينهما، والخلاف على الضمانات المطلوبة لتنفيذ أي اتفاق.
ولذلك، فإن المؤشر الأهم على تقدمه لن يكون مجرد استئناف الاتصالات، بل ظهور تفاهمات قابلة للتنفيذ، وآليات واضحة للتحقق من الالتزام بها.
السيناريو الثالث: استمرار المواجهات المحدودة وإدارة الأزمة
يفترض هذا السيناريو استمرار حالة التوتر، مع تجنب الطرفين حرباً شاملة جديدة، من دون التوصل إلى تسوية نهائية.
وفي هذه الحالة، قد تستمر الضغوط الاقتصادية والعسكرية، بالتوازي مع استخدام أدوات الردع والضغط السياسي والمناورة الدبلوماسية. كما قد تبقى الجبهات الإقليمية والممرات البحرية مصدراً متكرراً للتوتر، بما يجعل احتمالات التصعيد قائمة رغم غياب المواجهة الشاملة.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن إدارة الأزمة قد تتحول إلى وضع طويل الأمد، تتكرر فيه جولات التهدئة والتصعيد، من دون معالجة الأسباب الأساسية للصراع.
ومع ذلك، قد يراه الطرفان أقل كلفة من العودة إلى حرب مفتوحة، خصوصاً إذا عجزا عن التوصل إلى اتفاق شامل أو اعتقد كل منهما أن الوقت لا يزال يعمل لمصلحته.
كل هذه المعطيات السابقة تشير إلى أن الحرب الأمريكية الإيرانية لم تعد مرتبطة بنتائج المواجهة العسكرية وحدها، بل أصبحت محكومة بمجموعة متشابكة من الحسابات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، تمتد من الداخل الأمريكي إلى الاقتصاد الإيراني، ومن أسواق الطاقة إلى الممرات البحرية والجبهات الإقليمية.
وقد تدفع هذه الضغوط واشنطن وطهران إلى البحث عن صيغ لخفض التصعيد، حتى إذا ظل التوصل إلى تسوية شاملة بعيد المنال. فالتراجع المؤقت عن استخدام القوة لا يعني بالضرورة تغير الأهداف الاستراتيجية، كما أن استمرار التفاوض لا يعني أن الطرفين أصبحا مستعدين للتنازل عن مصالحهما الأساسية.
وفي المقابل، فإن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل مخاطر متزايدة، ليس فقط بسبب كلفتها العسكرية والاقتصادية، بل أيضاً لاحتمال اتساعها إلى جبهات جديدة، وما قد يترتب على ذلك من اضطرابات في التجارة والطاقة والأمن الإقليمي.
وفي ضوء المعطيات الراهنة، يبدو خفض التصعيد وإدارة المخاطر احتمالين جديرين بالمتابعة، لكنهما لا يضمنان الوصول إلى سلام دائم. فذلك يظل مرهوناً بمدى استعداد الطرفين لمعالجة أسباب الصراع، والتوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، وتقديم ضمانات موثوقة تحد من استمرار الصراع .




