اليمنسياسةعربي و دوليمقالات

السعودية تُنذر ثم لا تُعذر .. فهل وصلت الرسالة؟

سبق لوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان أن زار طهران في أبريل 2025 قبل أن تتعرض إيران لضربات أمريكية في العام ذاته. ولا يعني هذا التزامن أن الزيارة كانت إنذارًا بتلك الضربات أو تنبؤًا بها لكنه يفتح باب التساؤل عن دلالات التحركات الدبلوماسية المبكرة وقدرة السياسة على استشعار المخاطر وكلفة تجاهل المؤشرات التي تسبق الأزمات.

لم تكن زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران مجرد محطة دبلوماسية عابرة بل جاءت في سياق إقليمي تتقاطع فيه مساعي التهدئة مع حسابات الأمن والدفاع. فالدبلوماسية ليست كلمات تُقال خلف الأبواب المغلقة فحسب بل رسائل تُوجَّه وفرص تُمنح للأطراف المعنية كي تعيد حساباتها قبل أن تتسع دائرة المواجهة.

وفي 26 أكتوبر 2026 عادت الرياض إلى طاولة الحوار في طهران في تحرك يعكس استمرار الرهان على المسار السياسي لخفض التصعيد. غير أن الحوار لا يعني التغاضي عن مصادر التهديد كما أن السعي إلى التفاهم لا ينتقص من حق الدول في حماية أراضيها ومواطنيها وصون سيادتها.

وهنا تتضح المعادلة السعودية:

باب الدبلوماسية مفتوح لكن أمن المملكة ليس موضوعًا للمساومة.

وقد أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي اعتراض وتدمير صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت المملكة وفق البيانات التي تناولتها التقارير. كما أُعلن في 26 أكتوبر عن عملية عسكرية استهدفت منشآت وقدرات مرتبطة بالتهديدات الحوثية شملت أنفاقًا لتخزين الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاق ومستودعات للصواريخ إلى جانب أهداف أخرى وردت في البيان الرسمي.

ولا تقتصر دلالة هذه الإجراءات على اعتراض الهجمات بل تمتد إلى التعامل مع القدرات التي تتيح تكرارها. فالدفاع عن الأراضي يشمل احتواء الخطر والعمل على تحييد مصادره وفق مقتضيات الأمن والقواعد المنظمة لاستخدام القوة.

كما لا يمكن فصل التهديد الحوثي عن السياق الإقليمي الأوسع أو عن أثر استمرار الصراع في أمن اليمن وجيرانه. فاستقرار المنطقة يحتاج إلى معالجة مصادر التوتر ومنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد الدول المجاورة.

وفي هذا السياق يبرز تحالف مكة بوصفه رسالة ردع محتملة؛ إذ إن استهداف المملكة العربية السعودية قد يفتح الباب أمام توسع ساحة الصراع ودخول دول التحالف في مواجهة مع إيران في حال تصاعدت التهديدات الإيرانية باستهداف المملكة ودول الخليج ردًا على ضربات أمريكية محتملة على طهران. وهو سيناريو يبرز كلفة التصعيد وضرورة تجنّب تجاوز الخطوط الحمراء.

إن استمرار الدبلوماسية بالتوازي مع الإجراءات الدفاعية يؤكد أن التهدئة لا تعني السماح باستمرار التهديد وأن الحوار لا يُعفي الأطراف من مسؤولية أفعالها. فالفرص السياسية تقتضي استثمارًا جادًا لا استخدامها وقتًا إضافيًا لإعادة ترتيب أدوات التصعيد.

السعودية لا تغلق باب الحوار لكنها لا تمنح التهديد حصانة من الرد. فالإنذار في السياسة فرصة لمراجعة الحسابات وتفادي مرحلة تضيق فيها الخيارات وترتفع الكلفة والردع ليس نقيضًا للدبلوماسية بل قد يكون أحد الشروط التي تحمي فرص نجاحها.

وحين يُساء فهم ضبط النفس على أنه تردد أو تُعامل الدعوات إلى التهدئة باعتبارها ضعفًا يصبح الحفاظ على الاستقرار أكثر صعوبة. فالدول لا تُقاس فقط بما تطرحه من مبادرات بل أيضًا بقدرتها على حماية أمنها وصيانة سيادتها.

فالسياسة تفتح الأبواب لكن السيادة ترسم الحدود والسعودية تمنح الدبلوماسية فرصتها لكنها لا تجعل أمنها رهينة لوعود لا تسندها أفعال.

ومن هنا تُنذر السعودية وحين تقول كلمتها الميدانية لا تُعذر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى