مقالات

من الإجماع إلى المساءلة.. هل بدأ الدعم الأمريكي لإسرائيل رحلة التراجع؟

إيهاب الكيالي – كاتب ومحلل سياسي

استطلاعات 2026 تكشف تحولًا جيليًا متسارعًا، لكن النفوذ المؤسسي للتحالف ما يزال قويًا

إيهاب الكيالي – كاتب ومحلل سياسي
إسطنبول – تركيا

لم تكن هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أعقبها من حرب طويلة في غزة، نقطة البداية الوحيدة لتغير نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل، لكنها سرّعت تحولًا كان قد بدأ قبل ذلك بسنوات، وكشفت اتساع الفجوة بين الأجيال الأمريكية في تقييم العلاقة مع تل أبيب.

فبعد عقود تمتعت خلالها إسرائيل بمكانة استثنائية داخل السياسة الأمريكية، تظهر استطلاعات حديثة أن دعمها لم يعد يحظى بالإجماع الشعبي والحزبي الذي كان يتمتع به سابقًا، ولا سيما بين الشباب والديمقراطيين والمستقلين.

لكن هل تعني هذه المؤشرات أن النفوذ المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة دخل بالفعل مرحلة التراجع؟ أم أننا أمام تغير في الرأي العام لم يتحول بعد إلى انقلاب في السياسات والمؤسسات؟

جرس إنذار من هارفارد

أظهر استطلاع هارفارد للشباب لربيع 2026، الذي شمل 2018 أمريكيًا تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، أن 46% ينظرون إلى علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل باعتبارها «عبئًا»، مقابل 16% فقط يرونها «فائدة».

أُجري الاستطلاع بين 26 مارس/آذار و3 أبريل/نيسان 2026، بهامش خطأ بلغ 2.74 نقطة مئوية. وتمثل نسبة 46% الكتلة الأكبر بين المشاركين، لكنها ليست أغلبية مطلقة.

وتكمن أهمية النتيجة في أنها لا تسأل عن التعاطف مع الفلسطينيين أو الإسرائيليين، وإنما عن تقييم الشباب للعلاقة نفسها من زاوية المصلحة الأمريكية. وهذا يعني أن قطاعًا واسعًا من الجيل الجديد لم يعد يتعامل مع التحالف مع إسرائيل بوصفه منفعة استراتيجية بديهية لا تقبل النقاش.

ومع ذلك، لا يمكن استخدام هذا الرقم وحده لإثبات تراجع «النفوذ الإسرائيلي» داخل المؤسسات الأمريكية؛ فالاستطلاع يقيس اتجاهات الرأي العام، وليس قدرة جماعات الضغط أو حجم التأثير في الكونغرس والإدارة ووسائل الإعلام.

غالوب: تعادل إحصائي وتحول تاريخي

تدعم بيانات غالوب الاتجاه العام، مع ضرورة قراءة الأرقام بدقة. ففي استطلاع نشر في فبراير/شباط 2026، قال 41% من الأمريكيين إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 36% مع الإسرائيليين.

لكن غالوب أوضحت أن الفارق البالغ خمس نقاط ليس ذا دلالة إحصائية؛ ولذلك فالأدق وصف النتيجة بأنها تعادل إحصائي، لا تفوق حاسم للفلسطينيين.

مع ذلك، تحمل النتيجة دلالة تاريخية واضحة: للمرة الأولى منذ بدء قياسات غالوب السنوية عام 2001، لم يعد الإسرائيليون متقدمين في تعاطف الأمريكيين. ففي 2025، كان 46% يتعاطفون أكثر مع الإسرائيليين مقابل 33% مع الفلسطينيين.

ويصبح التحول أوضح بين الفئات العمرية الأصغر؛ إذ قال 53% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 23% فقط مع الإسرائيليين. وبين الديمقراطيين بلغت النسب 65% للفلسطينيين مقابل 17% للإسرائيليين، بينما ظل الجمهوريون أكثر تعاطفًا مع الإسرائيليين بنسبة 70% مقابل 13% للفلسطينيين.

تكشف هذه الأرقام انقسامًا حزبيًا وجيليًا عميقًا، لكنها تؤكد أيضًا أن إسرائيل ما تزال تحتفظ بقاعدة دعم قوية داخل الحزب الجمهوري وبين الأمريكيين الأكبر سنًا.

بيو: تراجع صورة إسرائيل أكثر من صعود صورة الفلسطينيين

تقدم بيانات مركز بيو تفسيرًا أكثر دقة لطبيعة التحول. فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو/أيار 2026 وشمل 12,574 أمريكيًا أن 52% ينظرون بإيجابية إلى الشعب الإسرائيلي، مقابل 50% إلى الشعب الفلسطيني.

وفي 2022، كانت النظرة الإيجابية إلى الإسرائيليين تبلغ 67%، مقارنة بـ53% للفلسطينيين. وهذا يعني أن تقارب الصورتين حدث أساسًا بسبب تراجع النظرة الإيجابية إلى الإسرائيليين، وليس نتيجة ارتفاع مماثل في صورة الفلسطينيين.

ويظهر التراجع بصورة أكبر عند تقييم الحكومة الإسرائيلية؛ إذ ارتفعت النظرة السلبية إليها من 43% عام 2022 إلى 62% عام 2026.

أما بين الأمريكيين دون الثلاثين، فقد عبّر 58% عن نظرة إيجابية إلى الشعب الفلسطيني، مقابل 32% فقط إلى الشعب الإسرائيلي، بينما لم تتجاوز النظرة الإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية 18%.

لكن البيانات نفسها تكشف فارقًا أساسيًا بين التعاطف مع الفلسطينيين والموقف من حماس؛ إذ ظل 84% من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية إلى الحركة. ومن ثم، لا يجوز تفسير تصاعد التعاطف مع الفلسطينيين بوصفه تأييدًا لحماس أو لهجمات السابع من أكتوبر.

من التعاطف الأولي إلى رفض مسار الحرب

بعد هجمات السابع من أكتوبر، حظيت إسرائيل في البداية بموجة تعاطف واسعة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أظهر استطلاع غالوب أن 50% من الأمريكيين كانوا يؤيدون العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، مقابل 45% يعارضونها.

لكن الموقف تغير مع استمرار الحرب واتساع الخسائر والمعاناة الإنسانية. وبحلول يوليو/تموز 2025، تراجعت نسبة المؤيدين للعمليات الإسرائيلية إلى 32%، بينما ارتفعت المعارضة إلى 60%، وفق استطلاع آخر لغالوب.

هكذا انتقل جانب من النقاش الأمريكي من التركيز على ما تعرضت له إسرائيل في السابع من أكتوبر إلى مساءلة طريقة إدارتها للحرب، وحجم الخسائر بين المدنيين، ودور الأسلحة والمساعدات الأمريكية.

ولا تعني هذه النتيجة أن غزة هي العامل الوحيد المسؤول عن التحول. فغالوب تشير إلى أن تضييق الفجوة بين التعاطف مع الإسرائيليين والفلسطينيين بدأ منذ 2019، قبل هجمات أكتوبر بأربع سنوات. كما أُجري بعض استطلاعات 2026 خلال الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، ما قد يكون أثر بدوره في تقييم الشباب للعلاقة مع إسرائيل.

لذلك، فالأدق القول إن حرب غزة سرّعت تحولًا قائمًا وكشفت عمقه، لا إنها أنشأته من الصفر.

الجامعات ومنصات التواصل تغيّران ساحة الرواية

لم تعد متابعة الحرب حكرًا على نشرات الأخبار والصحف الكبرى. فقد أصبح الجمهور، وخصوصًا الشباب، يتابع الصور والشهادات والمقاطع المصورة مباشرة عبر الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي.

وساهمت هذه البيئة في كسر احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية للرواية، لكنها فتحت الباب أيضًا أمام التضليل والمحتوى المبتور والدعاية الصادرة عن أطراف الصراع. ولذلك لا يمكن افتراض أن كل ما يصل عبر المنصات يمثل صورة دقيقة أو مكتملة.

وتحولت الجامعات الأمريكية إلى إحدى أهم ساحات النقاش. فقد رصد مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة «ACLED» أكثر من 1360 تحركًا طلابيًا مرتبطًا بالحرب بين 7 أكتوبر 2023 و3 مايو/أيار 2024، كان أكثر من 94% منها مؤيدًا للفلسطينيين. كما أحصت وكالة أسوشيتد برس أكثر من 2100 حالة اعتقال خلال موجة احتجاجات الجامعات في ربيع 2024.

لكن اتساع الاحتجاجات لا يعني أنها تمثل جميع الطلاب أو الأمريكيين. فقد رافقتها أيضًا اتهامات بمعاداة السامية، ومواجهات مع متظاهرين مؤيدين لإسرائيل، ونقاشات معقدة حول حرية التعبير وحدود الاحتجاج داخل الجامعات.

ومع ذلك، نجحت الحرب في نقل القضية الفلسطينية من نطاق السياسة الخارجية إلى نقاش أمريكي داخلي حول حقوق الإنسان، والقانون الدولي، والمساعدات العسكرية، والضرائب، وحرية التعبير، ودور الولايات المتحدة في العالم.

داخل المجتمع اليهودي الأمريكي

لم يعد الجدل مقتصرًا على العلاقة بين إسرائيل والأمريكيين غير اليهود. فقد كشف استطلاع لصحيفة واشنطن بوست أُجري في سبتمبر/أيلول 2025 عن انقسام واضح بين اليهود الأمريكيين بشأن الحرب.

رأى 61% ممن شملهم الاستطلاع أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، وقال 39% إنها ارتكبت إبادة جماعية، بينما قيّم 68% قيادة بنيامين نتنياهو بصورة سلبية. وانقسم المشاركون بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية، فأيدها 46% وعارضها 48%.

في المقابل، قال 76% إن وجود إسرائيل ضروري لمستقبل الشعب اليهودي، وأيد نحو ستة من كل عشرة استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لمواجهة حماس.

تكشف هذه النتائج تعقيد الموقف: انتقاد الحكومة والحرب لا يعني بالضرورة التخلي عن إسرائيل أو رفض وجودها. كما لا يجوز اختزال المجتمع اليهودي الأمريكي، بتنوعه السياسي والديني، في موقف واحد أو مساواته بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

تغير داخل الحزب الديمقراطي

دخلت القضية الفلسطينية بوضوح إلى قلب الانقسام الحزبي الأمريكي. ففي السابق، كان انتقاد إسرائيل يحمل تكلفة سياسية مرتفعة، لكن سياسيين ديمقراطيين يواجهون اليوم ضغطًا معاكسًا من الناخبين الشباب والقاعدة التقدمية بسبب الدعم غير المشروط لإسرائيل.

وفي يوليو/تموز 2025، صوّت مجلس الشيوخ على اقتراحين لتعطيل صفقات أسلحة لإسرائيل. ورغم فشلهما بفارق كبير، حصلا على 27 و24 صوتًا، في ارتفاع عن محاولات مماثلة خلال 2024. وتظهر النتائج الرسمية لمجلس الشيوخ أن الاعتراض على مبيعات السلاح أصبح أكثر حضورًا داخل المعسكر الديمقراطي، لكنه ما يزال عاجزًا عن تغيير السياسة الأمريكية.

وهنا يظهر الفارق بين تغير المزاج الشعبي وتغير القرار السياسي. فقد أصبح دعم إسرائيل موضع مساءلة داخل الحزب الديمقراطي، لكن مؤسسات الحكم الأمريكية لم تنتقل بعد إلى سياسة تقوم على وقف الدعم أو فرض شروط شاملة عليه.

النفوذ المؤسسي ما يزال قويًا

على الرغم من التحولات الشعبية، تحتفظ العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية ببنية عسكرية واستخباراتية وسياسية عميقة.

وتنص مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين على مساعدات عسكرية أمريكية بقيمة 38 مليار دولار خلال السنوات المالية 2019–2028، بمتوسط 3.8 مليارات دولار سنويًا، وفق البيانات الرسمية الأمريكية.

كما ما تزال جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل تملك حضورًا سياسيًا وماليًا وتنظيميًا واسعًا، ويظل الجمهوريون والإنجيليون البيض من أكثر الفئات دعمًا لها.

لذلك، لا تدعم الأدلة المتاحة الحديث عن «انهيار النفوذ الإسرائيلي». ما يمكن إثباته هو تراجع قدرة إسرائيل على احتكار الرواية، وتآكل جزء من شرعيتها الشعبية، واتساع مساحة الاعتراض على سياساتها.

التحول يتجاوز الولايات المتحدة

لا يقتصر تغير الصورة على المجتمع الأمريكي. فقد أظهر استطلاع عالمي لمركز بيو في 36 دولة خلال 2026 أن الوسيط العام للنظرة السلبية إلى إسرائيل بلغ 67%، مقابل 25% للنظرة الإيجابية. وسجلت جميع الدول الأوروبية التي شملها الاستطلاع نسبًا مرتفعة من التقييم السلبي.

وعلى المستوى الدبلوماسي، اعترفت إسبانيا وإيرلندا والنرويج وسلوفينيا بدولة فلسطين في 2024، ثم اعترفت بها فرنسا والمملكة المتحدة ودول غربية أخرى خلال 2025.

لا تعني هذه الاعترافات نهاية العلاقات مع إسرائيل، لكنها تعكس انتقال القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش الدولي حول حل الدولتين والشرعية والقانون الدولي.

هل يتغير الدعم الأمريكي مستقبلًا؟

لا تسمح استطلاعات الرأي بالجزم بأن الولايات المتحدة ستتخلى عن إسرائيل، كما أن مواقف الأجيال قد تتغير مع العمر والأحداث والظروف السياسية.

لكن استمرار الفجوة الحالية قد يجعل الدعم الأمريكي أكثر خضوعًا للشروط والمساءلة، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي. وقد تنتقل العلاقة تدريجيًا من دعم شبه تلقائي إلى دعم مرتبط بالسلوك العسكري، وإدخال المساعدات الإنسانية، واحترام القانون الدولي، ومستقبل التسوية السياسية.

ومن الخطأ أيضًا افتراض أن تنامي الحضور الفلسطيني في الرأي العام سيتحول تلقائيًا إلى سياسة. فالتأثير السياسي يحتاج إلى تنظيم انتخابي، وحضور مؤسسي، وقدرة على الاستمرار بعد انتهاء موجات الاحتجاج.

ما بعد السابع من أكتوبر

ما بعد السابع من أكتوبر لا يمثل نهاية النفوذ المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، لكنه قد يمثل نهاية مرحلة كان فيها دعم إسرائيل يُعامل باعتباره أمرًا بديهيًا وفوق الخلاف الحزبي.

فالتحول الأوضح يجري اليوم في ثلاثة مستويات: تراجع صورة الحكومة الإسرائيلية، وصعود التعاطف مع الفلسطينيين بين الشباب والديمقراطيين، واتساع النقاش حول شروط المساعدات العسكرية.

وفي المقابل، ما تزال إسرائيل تمتلك تحالفًا عسكريًا قويًا، ودعمًا جمهوريًا واسعًا، وشبكة مؤسسات قادرة على التأثير في القرار الأمريكي.

لهذا، فالمشهد ليس انهيارًا للنفوذ بقدر ما هو بداية صراع جديد على شرعية هذا النفوذ وحدوده. لقد أصبحت العلاقة مع إسرائيل قابلة للنقاش والمساءلة، بعد أن ظلت طويلًا من المسلمات السياسية الأمريكية.

وإذا استمر الاتجاه الجيلي الحالي وتحول إلى سلوك انتخابي ومؤسسي، فقد تجد إسرائيل نفسها مستقبلًا أمام حليف أمريكي أقل استعدادًا لمنحها دعمًا بلا شروط. أما إذا بقي التحول محصورًا في استطلاعات الرأي والاحتجاجات، فسيظل تأثيره في القرار الفعلي محدودًا.

المؤكد أن فلسطين أصبحت أكثر حضورًا في وعي جيل أمريكي جديد. لكن تحويل هذا الحضور إلى سياسة دائمة ما يزال معركة مفتوحة، لا نتيجة محسومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى