مقالات

من فاتورة الحرب إلى ثورة الشارع: هل تدفع أوروبا ثمن خياراتها السياسية والعسكرية؟


شبكة مراسلين

بقلم: عيسى حسين حزام الشمري

لم تعد الحروب والأزمات الدولية محصورة في ساحات القتال، بل باتت تداعياتها تمتد إلى الداخل الاقتصادي والاجتماعي للدول، حيث تتحمّل الحكومات أعباء مالية متزايدة، فيما تواجه قطاعات من المواطنين ضغوطاً معيشية متصاعدة، وفي أوروبا تتزامن هذه التحديات مع نقاشات حول الإنفاق الدفاعي، وأولويات الموازنات العامة، وقدرة الحكومات على حماية مستويات المعيشة.

وقد أسهمت الحرب الروسية الأوكرانية في دفع الدول الأوروبية إلى تقليل اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية وتنويع وارداتها، غير أن التحول في أسواق الطاقة، إلى جانب عوامل اقتصادية أخرى، فرض ضغوطاً على تكاليف الإنتاج والمعيشة في عدد من الدول، وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومات الأوروبية مطالب بزيادة الإنفاق الدفاعي ومواصلة دعم أوكرانيا، الأمر الذي فتح نقاشاً حول كيفية الموازنة بين متطلبات الأمن الخارجي والاحتياجات الاجتماعية الداخلية.

كما أضافت التوترات العسكرية في الشرق الأوسط عاملاً آخر من عوامل عدم اليقين في أسواق الطاقة، إذ يمكن أن تؤثر اضطرابات الإمدادات والممرات البحرية والتصعيد العسكري في أسعار النفط والغاز وتكاليف النقل والإنتاج، ومع ذلك لا يمكن تفسير الضغوط المعيشية الأوروبية بالحروب وحدها؛ فالسياسات الاقتصادية والضرائب وأوضاع سوق العمل وأزمة السكن ومستويات الأجور تؤدي دوراً مهماً في تحديد انعكاس هذه التطورات على حياة المواطنين.

وفي ظل هذه الظروف، تبرز الاحتجاجات بوصفها وسيلة للتعبير عن الاستياء من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وأحياناً عن طريقة إدارة الحكومات للأزمات الداخلية والخارجية، لكن السؤال الأساسي لا يتعلق بتزامن الاحتجاجات في عدد من الدول الأوروبية فحسب، بل بما إذا كانت هذه التحركات تمثل مطالب اجتماعية متفرقة، أم أنها قد تتحول إلى ضغط سياسي يدفع الحكومات إلى مراجعة أولوياتها ؟!.

المشهد الأول: احتجاجات متعددة وأسباب متباينة:
شهدت دول أوروبية تحركات احتجاجية ارتبطت بأسباب مختلفة، من ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن إلى أوضاع التعليم والخدمات العامة والاعتراض على سياسات الحكومات. وقد رافقت بعض هذه التحركات مواجهات مع قوات الأمن أو حوادث تخريب، في حين اتخذت تحركات أخرى طابعاً سلمياً. ويكشف هذا التباين أن الاحتجاجات لا يمكن التعامل معها باعتبارها موجة موحدة ذات دوافع متطابقة، حتى عندما تتشابه بعض مطالبها.

ففي فرنسا، تستحضر بعض النقاشات الاحتجاجية تجربة حركة السترات الصفراء التي برزت عام 2018، ولا سيما ما يتعلق بالقدرة الشرائية وتكاليف المعيشة والشعور بعدم عدالة توزيع الأعباء الاقتصادية، غير أن التشابه بين المطالب لا يعني بالضرورة وجود امتداد تنظيمي مباشر بين الاحتجاجات المختلفة، إذ ينبغي النظر إلى دوافع كل تحرك في سياقه السياسي والاجتماعي الخاص، حيث تواجه فرنسا تحديات تتعلق بتمويل الخدمات العامة، وضبط المالية العامة، والاستجابة للمطالب الاجتماعية، في وقت يحتل فيه الإنفاق الدفاعي والأمني موقعاً مهماً في النقاش السياسي الأوروبي. وهنا يبرز تساؤل حول مدى استعداد المواطنين لقبول زيادة الإنفاق العسكري إذا شعروا بأن احتياجاتهم الأساسية، مثل السكن والرعاية الصحية والتعليم، لا تحظى بالاهتمام الكافي، لكن إثبات وجود علاقة مباشرة بين هذه الملفات يتطلب تحديد مطالب المحتجين ومواقفهم المعلنة، بدلاً من افتراض أن كل احتجاج اجتماعي هو اعتراض على الإنفاق الدفاعي.

وفي إيطاليا، برزت تحركات طلابية معارضة لسياسات حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، وارتبطت بعض المطالب بأوضاع المدارس والجامعات وتكاليف التعليم والاعتراض على توجيه الموارد نحو الإنفاق العسكري بدلاً من الخدمات الاجتماعية، وتكتسب هذه المطالب أهمية سياسية عندما تتحول من اعتراض على ظروف التعليم إلى نقاش أوسع بشأن أولويات الموازنة العامة. ورغم ذلك ينبغي التمييز بين المطالب التعليمية المباشرة والمواقف السياسية الأوسع، والتحقق من الشعارات التي رفعتها كل حركة قبل نسبتها إلى المحتجين.

أما في إسبانيا، فتشكل أزمة السكن وارتفاع الإيجارات أحد أبرز مصادر الاستياء الاجتماعي، خصوصاً لدى الشباب والفئات ذات الدخل المحدود، ولا تقتصر المشكلة على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى صعوبة الحصول على مسكن مناسب، والتفاوت بين نمو تكاليف السكن ومستويات الدخل، والخلاف حول دور الحكومة في تنظيم السوق وحماية المستأجرين، ولذلك قد تتحول قضية السكن من مشكلة اقتصادية إلى قضية سياسية عندما يشعر المواطنون بأن السياسات المتبعة لا توفر حلولاً عملية ومستدامة.

وفي البرتغال، تتقاطع أزمة السكن مع ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة تغطية النفقات اليومية لدى شرائح اجتماعية مختلفة، وتكشف هذه التحديات عن اتساع الفجوة المحتملة بين الدخول وتكاليف الحياة، وتثير تساؤلات حول فعالية السياسات الحكومية في توفير السكن بأسعار مناسبة وتحسين القدرة الشرائية، كما توضح أن الاحتجاجات الاجتماعية قد تنشأ من مشكلات داخلية متراكمة، حتى في غياب ارتباط مباشر بين مطالب المحتجين وأحداث عسكرية خارجية.


وفي بلجيكا، ترافقت الدعوات إلى التظاهر بشأن غلاء المعيشة مع تحركات أخرى ارتبطت بأوضاع التعليم والرسوم الجامعية، وشهدت بعض الاحتجاجات مواجهات مع الشرطة وحوادث تخريب، وفقاً لما ينبغي التحقق منه في التقارير الخاصة بكل واقعة، ويستدعي هذا التباين التمييز بين المطالب الاجتماعية التي تحرك المشاركين، والأحداث الأمنية التي قد تقع خلال بعض التجمعات، حتى لا تتحول حوادث محدودة إلى وصف عام للاحتجاجات بأكملها.

أما في ألبانيا، فقد اتخذت الاحتجاجات أبعاداً سياسية أكثر وضوحاً، مع مشاركة طلاب وشباب في تحركات مناهضة للحكومة ومطالبات باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، وسط اتهامات بالفساد ومطالب تتعلق بالبطالة وأوضاع التعليم. وقد شهدت بعض التحركات تدخلاً من قوات الأمن واستخدام وسائل لتفريق المتظاهرين، إلى جانب تقارير عن إصابات وتوقيفات. وتبرز أهمية هذه الحالة في تداخل المطالب المعيشية والخدمية مع الاعتراض على أداء الحكومة والثقة بالمؤسسات.

ومع ذلك، لا يكفي اتساع المشاركة أو ارتفاع سقف المطالب للقول إن تغيير الحكومة أصبح وشيكاً؛ إذ يتوقف تأثير الاحتجاجات على قدرتها على الاستمرار، واتساع قاعدتها الاجتماعية، وموقف الأحزاب المعارضة والنقابات، ومدى تماسك المؤسسات السياسية، واستجابة الحكومة للمطالب.

الواقع وأسئلته: هل تدفع الاحتجاجات الحكومات الأوروبية إلى مراجعة الإنفاق العسكري؟
يطرح تزامن الضغوط المعيشية مع النقاشات المتعلقة بزيادة الإنفاق الدفاعي سؤالاً مهماً حول قدرة الاحتجاجات على التأثير في أولويات الحكومات الأوروبية، فزيادة الإنفاق العسكري قد تثير جدلاً بشأن توزيع الموارد العامة، خصوصاً عندما تتزامن مع مطالب بتحسين التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية.


غير أن مراجعة الإنفاق الدفاعي ليست نتيجة تلقائية للاحتجاجات، كما أن زيادة الموازنات العسكرية لا تعني بالضرورة خفض الإنفاق الاجتماعي بالمقدار نفسه، فالأمر يرتبط بمصادر التمويل، والإيرادات العامة، والاقتراض والضرائب وأولويات الإنفاق الأخرى، فضلاً عن تقديرات الحكومات للتهديدات الأمنية التي تواجهها.

ومن هنا، يمكن أن تتخذ استجابة الحكومات أشكالاً متعددة؛ فقد تتجه إلى تقديم مساعدات للفئات المتضررة، أو تعديل بعض السياسات الضريبية والاجتماعية، أو إعادة ترتيب أولويات الموازنة، أو الإبقاء على خططها الدفاعية مع محاولة احتواء الاعتراضات الداخلية.

أما تغيير السياسة الخارجية، فهو مسار أكثر تعقيداً، فقد تضغط الاحتجاجات على الحكومات لتفسير مواقفها من الحروب والمساعدات العسكرية والعلاقات الدولية، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير تلك المواقف، ويتوقف التأثير على حجم المعارضة الشعبية، واستمرارها، وقدرتها على التحول إلى ضغط انتخابي وبرلماني أو إلى مواقف تتبناها الأحزاب والنقابات والجهات المؤثرة في صنع القرار، وبذلك فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الاحتجاجات تعارض الإنفاق العسكري بصورة عامة، بل ما إذا كانت تنجح في تحويل المطالب الاجتماعية إلى نقاش سياسي منظم حول التوازن بين الأمن الخارجي والاستقرار الداخلي.


على حافة الاحتمالات الثانوية نسأل: هل يمكن أن تمتد الاحتجاجات إلى الدول العربية؟

إن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه بعض الدول الأوروبية لا تقتصر من حيث طبيعتها على أوروبا؛ إذ تواجه دول عربية بدورها تحديات تتعلق بارتفاع الأسعار والبطالة والسكن وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب تفاوت مستويات الخدمات العامة والقدرة الحكومية على الاستجابة للمطالب الاجتماعية، لكن تشابه الأزمات لا يعني بالضرورة تشابه نتائجها السياسية أو انتقال الاحتجاجات من منطقة إلى أخرى بالمسار نفسه.

فاحتمال اتساع الاحتجاجات في الدول العربية يرتبط بمجموعة من العوامل، في مقدمتها شدة الضغوط المعيشية، وقدرة الحكومات على تخفيف آثارها، ومستوى الثقة بالمؤسسات، ووجود قنوات فعالة للتعبير عن المطالب، فضلاً عن قدرة الفئات الاجتماعية المتضررة على التنسيق والاستمرار.

وتؤدي وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً في نشر المعلومات والدعوات إلى التظاهر وتبادل الخبرات بين المجتمعات، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث تعبئة جماهيرية واسعة أو ضمان استمرارها. فالتعبئة الفعلية تتأثر أيضاً بالظروف المحلية، وبطبيعة التنظيمات الاجتماعية، وبمدى استجابة السلطات للمطالب، وبالعوامل التي تساعد الاحتجاجات على الانتقال من ردود الفعل المؤقتة إلى حركات مستدامة.

كما أن الدول العربية ليست كتلة واحدة؛ إذ تختلف في مواردها الاقتصادية، وقدرتها على تقديم الدعم، وتركيبة أسواق العمل، وأوضاعها السياسية والاجتماعية، ولذلك فإن تحليل احتمال اتساع الاحتجاجات ينبغي أن يتم على مستوى كل دولة، مع مراعاة خصوصيتها، لا من خلال افتراض أن ارتفاع حدة الأزمات يؤدي تلقائياً إلى تكرار التجارب الأوروبية.

وقد يكون الدرس الأهم من الاحتجاجات الأوروبية أن الضغوط المعيشية تتحول إلى تحديات سياسية أكبر عندما تتراكم المظالم، وتتراجع الثقة بقدرة الحكومات على معالجتها، ويشعر المواطنون بأن أعباء الأزمات لا توزع بصورة عادلة. وهذا ما يجعل الاستجابة المبكرة والشفافية وتحسين الخدمات أدوات أساسية للحد من تصاعد الاستياء الاجتماعي.

ختاماً، تكشف الاحتجاجات الأوروبية أن الأزمات الدولية قد تزيد الضغوط على الاقتصادات والموازنات العامة، لكن تحول هذه الضغوط إلى احتجاجات يتوقف على طبيعة الأوضاع الداخلية والسياسات الحكومية ومستوى الثقة بالمؤسسات، كما أن تعدد المطالب بين السكن والتعليم والقدرة الشرائية والاعتراض على الإنفاق العسكري يدل على أن المشهد الاحتجاجي لا يمكن اختزاله في سبب واحد أو التعامل معه باعتباره حركة سياسية موحدة.
ومن المرجح أن يستمر الجدل داخل أوروبا حول كيفية التوفيق بين متطلبات الأمن والدفاع من جهة، والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى غير أن انتقال هذا الجدل إلى مراجعة فعلية للسياسات الدفاعية أو الخارجية سيظل مرتبطاً بقدرة الاحتجاجات على إحداث ضغط سياسي مستمر، وليس بمجرد اتساعها في الشارع.

أما في الدول العربية، فإن احتمال تصاعد الاحتجاجات يتوقف على مدى تفاعل الضغوط المعيشية مع الظروف السياسية والاجتماعية المحلية، وعلى قدرة الحكومات على الاستجابة للمطالب قبل تحولها إلى أزمات أوسع. فالمشكلة ليست في تشابه الأزمات بين الدول، بل في كيفية إدارة تلك الأزمات وتوزيع أعبائها.


بالنهاية، لا تعني احتجاجات أوروبا بالضرورة اقتراب تحول سياسي شامل، كما لا تعني صعوبة الأوضاع في بعض الدول العربية أن الاحتجاجات ستتكرر فيها حتماً. لكنها تطرح درساً سياسياً مهماً: عندما تتزايد الأعباء الاقتصادية ويشعر المواطنون بأن أولويات الحكومات لا تنسجم مع احتياجاتهم، تصبح القدرة على تحقيق التوازن بين الأمن والاستقرار الاجتماعي اختباراً حقيقياً لفاعلية الحكم وثقة المجتمع بمؤسساته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى