مقالات

حين يُفهم الصبر ضعفًا.. جينا العرين ولا لقينا فيه أحد

الكاتب: مهند أحمد شبير

عندما قال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي إن السعوديين قد يسامحون لكنهم لا ينسون وإنهم لا يغضبون لكنهم إذا غضبوا أوجعوا كان يلخص موقفًا سعوديًا ثابتًا في التعامل مع الأزمات. فالصبر ليس ضعفًا والتهدئة لا تعني العجز وإعطاء السياسة فرصتها لا يعني غياب الحزم.

ويحضر هنا بيت الشاعر مشعل بن محماس الحارثي

واللي يهددنا بليثٍ في عرين
جينا العرين ولا لقينا فيه أحد

فالتهديد من بعيد شيء وعندما تأتي لحظة المواجهة تصبح الحسابات مختلفة.

منذ عاصفة الحزم في مارس 2015 ثم مرحلة إعادة الأمل وما رافقها من جهود سياسية وإغاثية وتنموية وإعمارية ظل الهدف السعودي واضحًا في دعم الشرعية اليمنية والسعي إلى يمن مستقر ودولة قادرة على بسط سلطتها على أرضها.

وظل باب السياسة مفتوحًا طوال السنوات الماضية لكن أمن المملكة لم يكن موضع مساومة. تعرضت المملكة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة وطالت التهديدات أمنها ومقدساتها وامتدت المخاطر إلى الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. ومع ذلك بقيت التهدئة خيارًا قائمًا ما دامت تحفظ أمن المملكة وتفتح الطريق أمام الحل السياسي.

حتى جاء التصعيد الأخير.

في سبتمبر الماضي أكد وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان أن المملكة لن تتردد في الدفاع عن نفسها وأن الحوثي فتح على نفسه بابًا لا يحتمله.

ثم جاءت عملية فجر اليمن.

أعلن اللواء الركن تركي المالكي مشاركة 100 طائرة مقاتلة في العملية وتدمير 324 هدفًا عالي القيمة مع استمرار الإسناد الجوي للقوات المسلحة اليمنية وتأمين الحماية الجوية لمضيق باب المندب.

وامتدت العمليات إلى البحر حيث استهدفت القوات البحرية للتحالف في محافظة الحديدة مواقع عسكرية ومخازن أسلحة ومستودعات للزوارق المفخخة والألغام البحرية وأحبطت مخططًا لاستهداف الممرات المائية جنوب البحر الأحمر.

انتقلت الرسالة من التحذير إلى الميدان.

لكن أكثر ما يكشف أثر ما حدث لم يكن عدد الطائرات ولا الأهداف التي أعلن التحالف تدميرها بل تغير الخطاب الحوثي نفسه.

فبعد تهديدات أطلقها محمد البخيتي تجاه تركيا وباكستان في حال تدخلهما إلى جانب السعودية ظهر في الخامس من أكتوبر بخطاب مختلف معلنًا استعداد جماعته لوقف إطلاق النار والدخول في حوار سياسي وإنهاء الحرب مع السعودية.

بالأمس كانت لغة التهديد واليوم أصبحت لغة السلام وبين الخطابين تغيرت حسابات القوة والكلفة.

وليس من الصعب فهم التوقيت. فحين كان التصعيد قائمًا ارتفع سقف التهديد وحين تحركت الجبهات وبدأت عملية عسكرية واسعة تغيرت المفردات إلى وقف إطلاق النار والحوار وإنهاء الحرب.

السعودية لم تكن تبحث عن الحرب من أجل الحرب. أعطت السياسة فرصتها وحذرت قبل أن تستخدم القوة وحين جاء وقت الرد كان الميدان هو الذي يتحدث.

والسلام إن كان هو الخيار الحقيقي فلن تثبته التصريحات وحدها. يثبته وقف الاعتداءات والدخول في حل سياسي ينهي معاناة الأشقاء اليمنيين ويعيد للدولة سلطتها ويمنع أن يبقى اليمن مصدر تهديد لجيرانه وللملاحة الدولية.

أما ما حدث بين خطاب التهديد وخطاب السلام فقد قال ما يكفي.

ومن ظن أن طول الصبر يعني غياب القوة ربما لم يقرأ المشهد جيدًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى