سوريا

الجنوب السوري: تحصينات إسرائيلية وأزمات تضغط على السيادة

سها المناصرة | مراسلين
14 أكتوبر 2026

لم تعد التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا تقتصر على دوريات تدخل قرى القنيطرة ودرعا ثم تنسحب؛ إذ تترافق التوغلات مع أعمال حفر وشق طرق عسكرية وإقامة سواتر ترابية وخنادق ونقاط مراقبة، بما يثير تساؤلات بشأن أهداف هذه الإنشاءات وتداعياتها على السيادة السورية.

وفي قراءة لهذه التطورات، يرى الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عصمت العبسي أن التحركات الإسرائيلية والأزمات الداخلية في السويداء ودرعا تتداخل لتشكّل ضغطًا متواصلًا على قدرة دمشق على استعادة الاستقرار في الجنوب.

تحركات تتجاوز التوغل المؤقت

قال العبسي، في تصريح خاص لـ«مراسلين» الثلاثاء 13 أكتوبر، إن تفسير التحركات الإسرائيلية باستغلال الانشغال الإقليمي وحده لا يكفي لفهم ما يجري، معتبرًا أن الأعمال الإنشائية تستهدف تثبيت وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقًا.

وبحسب تقديره، فإن استمرار التوغلات بالتوازي مع إنشاء التحصينات يفرض معادلات جديدة تحت ذرائع أمنية، ويجعل التعامل مع الجنوب بوصفه ساحة لحوادث منفصلة قراءة قاصرة عن إدراك ترابط التطورات.

وربط العبسي بين هذا المسار وأزمة السويداء، معتبرًا أن التصعيد الداخلي يمنح إسرائيل ذرائع إضافية للتدخل تحت عنوان حماية السكان. ومن هذا المنطلق، يرى أن معالجة الخلافات الداخلية تمثل أحد شروط تحصين السيادة السورية.

«سوفا 53» واتفاق فض الاشتباك

وفي حديثه عن الخط المعروف باسم «سوفا 53»، شدد العبسي على ضرورة التعامل مع الأعمال الإنشائية ضمن ملف متكامل يشمل وقف الإنشاءات داخل المنطقة العازلة، والعودة إلى الالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وتعزيز دور قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف».

ويرى أن تحصين الجبهة الجنوبية يبدأ سياسيًا، عبر خفض التوترات في السويداء ودرعا، قبل الاقتصار على الإجراءات العسكرية؛ إذ إن الاستقرار الداخلي يقلص فرص توظيف الأزمات المحلية لتبرير تدخل خارجي.

السويداء: هدنة هشة وانقسامات مسلحة

بحسب العبسي، تشهد السويداء مواجهات متكررة بين مجموعات «الحرس الوطني» والقوات الحكومية، على محاور في الريف الشمالي الغربي، من بينها وقم وداما وتل حديد والمعامل ومجدل والمزرعة، مع استخدام أسلحة رشاشة ثقيلة وقذائف هاون.

وأشار إلى سيطرة مجموعات من «الحرس الوطني» على قرية وقم في الثامن من أكتوبر، ووقوع مواجهات عند حاجز العنقود، معتبرًا أن هذه التطورات تعكس هشاشة التهدئة.

وأضاف أن التشكيل المسلح نفسه يواجه، وفق تقديره، انقسامات وتباينات بين مكوناته، وأن الاستعراضات المسلحة والهتافات المذهبية تزيد الاحتقان وتضر بالسلم الأهلي.

وحذر من افتراض إمكان إنهاء الأزمة بحسم عسكري سريع، داعيًا إلى معالجة السلاح خارج مؤسسات الدولة ضمن مسار قانوني وسياسي يحمي السكان ويمنع تجدد المواجهات.

التعليم في دائرة الخلاف السياسي

وتناول العبسي أزمة امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة، معتبرًا أن إخضاع الملف التربوي للخلافات الأمنية والسياسية يحمّل الطلاب تكلفة أزمة لا مسؤولية لهم عنها.

وقال إن مجموعات مسلحة منعت طلابًا من الوصول إلى المراكز البديلة في دمشق وريفها، فيما اتخذت وزارة التربية إجراءات لنقل قيود الطلاب إلى مديريات خارج المحافظة.

وانتقد العبسي، من جهة، منع الطلاب من الوصول إلى الامتحانات، ومن جهة أخرى، التعامل الجماعي مع قيودهم، معتبرًا أن كلا المسارين يزيد معاناتهم ويعمق الفجوة بين السكان والمؤسسات الرسمية.

ودعا إلى فصل التعليم عن النزاع الأمني، وتأمين ترتيبات امتحانية داخل المحافظة بإشراف الوزارة، مع ضمان سلامة الطلاب والكوادر التعليمية والاعتراف بحق الجميع في استكمال دراستهم.

خريطة طريق تحتاج إلى تنفيذ وحوار محلي

وأشار العبسي إلى خريطة الطريق التي أعلنتها السلطات السورية في سبتمبر 2025 لمعالجة أزمة السويداء، وما تضمنته من إجراءات أمنية وتحقيقات في الانتهاكات، إلى جانب المسار الذي شاركت فيه سوريا والأردن والولايات المتحدة.

ورأى أن نجاح هذه الترتيبات يتوقف على ترجمتها إلى إجراءات واضحة وحوار داخلي فعلي، معتبرًا أن الضمانات الخارجية لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار مستدام.

وبحسب قراءته، فإن استعادة الثقة تتطلب مساءلة قانونية عن الانتهاكات، وضمانات لحماية السكان، ومشاركة محلية في صياغة الحل وتنفيذه، بما يمنع بقاء المحافظة رهينة لتوازنات تتغير مع كل أزمة.

الصنمين: الأمن والمصالحة والمسار القضائي

وفي درعا، تناول العبسي التوترات في مدينة الصنمين، مشيرًا إلى مواجهات خلال مداهمة أمنية في 17 سبتمبر، وتجدد الاحتقان في الحي الغربي خلال أكتوبر مع عمليات دهم وتفتيش واحتجاجات محلية.

واعتبر أن معالجة الملف لا ينبغي أن تقتصر على المداهمات، بل تحتاج إلى مسار قضائي واضح يميز بين المسؤولية الفردية والسكان، ويحد من تحول الإجراءات الأمنية إلى مصدر لتجدد الاحتقان.

كما دعا إلى الاستفادة من جهود المصالحة والوساطات الاجتماعية، على أن تدعم مؤسسات الدولة والقانون، وألا تحصر إدارة الأمن في جهة عشائرية واحدة.

وتخلص قراءة العبسي إلى أن حماية الجنوب السوري تتطلب مسارين متوازيين: مواجهة فرض الوقائع الإسرائيلية عبر الأدوات السياسية والدبلوماسية والمرجعيات الدولية، ومعالجة الأزمات الداخلية بما يحمي الحقوق ويعيد الثقة بين السكان ومؤسسات الدولة.

#سوريا #الجنوب_السوري #السويداء #درعا #القنيطرة #مراسلين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى