يعيد النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري طرح تساؤلات بشأن حدود التدخل الإسرائيلي وأهدافه، ومدى ارتباطه بالتطورات السياسية داخل إسرائيل. وبين خطاب حماية الدروز وحسابات الأمن والتفاوض، يبرز سؤال رئيسي: هل يمكن لتغيّر القيادة الإسرائيلية أن يبدّل السياسة تجاه سوريا، أم أن الخلاف يقتصر على إدارة أهداف ثابتة؟
وبحسب ما أورده موقع «واللا» الإسرائيلي نقلًا عن مصدر أمني، تراقب إسرائيل على مدار الساعة أي تهديد محتمل لأبناء الطائفة الدرزية في السويداء، وسط مخاوف من تحركات مجموعات يقول المصدر إنها تعمل لصالح سلطات دمشق.
وأشار الموقع إلى تكثيف التحركات الجوية الإسرائيلية في المنطقة بالتزامن مع رفع مستوى التأهب، في رسالة تحذير إلى دمشق من استهداف الدروز. وتحدث التقرير عن تحليق مقاتلات ومسيّرات في أجواء السويداء ودرعا، مع احتمال توسيع التدخل إذا رصدت إسرائيل تهديدات جديدة.
السويداء بين الحماية وتقاطع المصالح
يرى الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عصمت العبسي أن التحركات الإسرائيلية تُفهم في إطار تقاطع المصالح، معتبرًا أن تل أبيب توظف ملف الدروز لخدمة حساباتها الأمنية في الجنوب السوري.
وفي تصريح خاص لـ«مراسلين»، بتاريخ 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، قال العبسي إن موقع هذا الملف في السياسة الإسرائيلية قد يتغير إذا توصلت واشنطن وتل أبيب إلى تسوية أمنية بشأن الجنوب، محذرًا من التعويل على استمرار الدعم الإسرائيلي بمعزل عن المصالح التي تحكمه.
واعتبر أن مصلحة دمشق تقتضي التعامل مع السويداء باعتبارها ملفًا وطنيًا، بأبعاده الإدارية والاقتصادية والأمنية، قبل تحوّلها إلى ورقة تستخدمها أطراف خارجية. وأضاف أن الفراغ الذي تتركه الدولة يتيح لغيرها توسيع نفوذه.
وبحسب العبسي، فإن بقاء بنيامين نتنياهو أو رحيله لا يشكّل وحده معيارًا لتقدير مستقبل التدخل الإسرائيلي؛ إذ تتعلق المسألة باستمرار الاستعداد للتدخل وحدوده، أكثر من ارتباطها بشخص رئيس الحكومة.
التصعيد ومخاطر استثمار الفراغ
وحول احتمالات اتساع المواجهة، يرى العبسي أن الانزلاق إلى حرب إقليمية يبقى احتمالًا غير محسوم، لكنه يحذر من تداعيات التصعيد المحدود أيضًا.
وأوضح أن هذا التصعيد قد يمنح إيران مبررات سياسية، ويتيح للجماعات المرتبطة بها فرصًا لتوسيع حضورها، كما قد يوفر لتنظيم داعش مساحة لاستثمار الاضطراب الأمني.
ودعا إلى أن تكون الاستجابة السورية منضبطة بحسابات أمنية واضحة، مع توثيق الانتهاكات المرتبطة باتفاق فصل القوات لعام 1974 وطرحها أمام مجلس الأمن والأطراف الدولية المعنية، بما يدعم الموقف السوري دبلوماسيًا.
التفاوض يبدأ من الداخل
وفي ما يتعلق بمسار السلام، اعتبر العبسي أن أي تفاهم سوري إسرائيلي يحتاج إلى ترتيبات أمنية تستند إلى واقع ميداني مستقر، وأن الإعلان السياسي وحده لا يكفي لبناء اتفاق قابل للاستمرار.
وربط تعزيز الموقف التفاوضي السوري بثلاثة عناصر: سلطة دولة موحدة في الجنوب، وجيش يتولى حماية الحدود، وتفاهم وطني بين دمشق وأبناء الطائفة الدرزية.
ويرى أن توافر هذه العناصر يمنح سوريا قدرة أكبر على التفاوض، ويحد من إمكان توظيف الانقسامات الداخلية لفرض ترتيبات خارجية.
نتنياهو وآيزنكوت: اختلاف في الإدارة أم في الأهداف؟
وعن الفروق المحتملة بين نتنياهو وغادي آيزنكوت في التعامل مع سوريا، يرى العبسي أنها تتصل بأساليب التنفيذ وإدارة المخاطر أكثر من اتصالها بالأهداف الأساسية.
فبحسب تقديره، يميل آيزنكوت، انطلاقًا من خلفيته العسكرية، إلى تحديد أهداف واضحة وتوقيت محسوب للعمليات، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. أما نتنياهو، فيعتمد بصورة أكبر على فرض وقائع سياسية وميدانية يمكن توظيفها لاحقًا.
ومع ذلك، يعتبر العبسي أن الطرفين يلتقيان عند أهداف تتعلق بمنع تشكّل قوة تعتبرها إسرائيل تهديدًا على حدودها، والسعي إلى فرض ترتيبات أمنية في الجنوب السوري.
ولهذا، يستبعد أن يؤدي تغيّر القيادة الإسرائيلية تلقائيًا إلى تراجع التحركات جنوب سوريا، ما لم تتغير الظروف التي تستند إليها هذه السياسة.
ماذا يمكن أن تغيّر الانتخابات؟
وفق قراءة العبسي، قد تؤثر نتائج الانتخابات في إيقاع التحرك الإسرائيلي، وأدواته، وطريقة تقديمه سياسيًا، لكنها لا تعني بالضرورة تبدّل الأهداف تجاه سوريا.
كما يرى أن تعثر تشكيل حكومة أو استمرار حكومة تصريف أعمال لا يضمنان انحسار الضغط على دمشق، في ظل استمرار دور المؤسسات الأمنية والعسكرية في إدارة هذا الملف.
وتضع هذه القراءة أمام دمشق أولوية تتجاوز انتظار نتائج التنافس السياسي الإسرائيلي: تعزيز الاستقرار الداخلي، ومعالجة ملف السويداء ضمن إطار وطني، وبناء موقف تفاوضي يستند إلى حضور الدولة وتماسك مؤسساتها.




