العدالة الانتقالية في سوريا.. من أطفال درعا إلى قاعة المحكمة
سها المناصرة – مراسلين
بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على اعتقال وتعذيب أطفال درعا، الذين تحولت قضيتهم إلى واحدة من أبرز شرارات الاحتجاجات السورية عام 2011، عاد اسم المدينة إلى واجهة المشهد السوري من بوابة مختلفة هذه المرة: القضاء والمحاسبة.
ففي 11 أغسطس/آب 2026، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكمًا بالإعدام غيابيًا بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، فيما قضت بالإعدام حضوريًا بحق عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، على خلفية جرائم القتل والتعذيب والانتهاكات التي ارتُكبت بحق معتقلين ومدنيين.
ومثّل الحكم، بالنسبة إلى كثير من أهالي درعا وذوي الضحايا، محطة ذات رمزية خاصة في مسار طويل من المطالبة بالمحاسبة، فيما شهدت المدينة ومناطق سورية أخرى تجمعات احتفالية عقب صدوره.
لكن الأحكام، رغم أهميتها القانونية والرمزية، لا تعني أن ملف العدالة الانتقالية قد أُنجز؛ إذ يبقى تنفيذ الأحكام الغيابية بحق بشار وماهر الأسد مرتبطًا بإمكانية توقيفهما أو تسليمهما إلى السلطات السورية، بينما يمكن للدفاع عن عاطف نجيب سلوك مسارات الطعن المتاحة قانونًا.
أطفال درعا.. بداية الحكاية
في مارس/آذار 2011، اعتُقل عدد من أطفال درعا بعد كتابتهم عبارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم، في حادثة أصبحت لاحقًا رمزًا لبدايات الاحتجاجات التي امتدت إلى مختلف أنحاء سوريا.
وأثار اعتقال الأطفال وما تردد عن تعرضهم للتعذيب غضبًا واسعًا في المدينة. ومع تصاعد الاحتجاجات وطريقة تعامل الأجهزة الأمنية معها، تحولت درعا إلى نقطة انطلاق لحركة احتجاجية واسعة دخلت البلاد بعدها في سنوات طويلة من الحرب والعنف والانتهاكات.
ومن بين أبرز المسؤولين الذين ارتبط اسمهم بتلك المرحلة عاطف نجيب، ابن خال بشار الأسد، والذي كان يتولى رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا.
ويحمل الحكم الصادر بحقه دلالة خاصة لدى عائلات الضحايا، بالنظر إلى ارتباط اسمه بالأحداث الأولى التي سبقت اتساع الاحتجاجات في البلاد.
شهادة من ليلة المسجد العمري
يروي الأستاذ رمزي أبو نبوت، وهو أحد ذوي ضحايا أحداث درعا، في تصريح خاص لـ«مراسلين» بتاريخ 12 أغسطس/آب 2026، تفاصيل مقتل شقيقه أحمد أبو نبوت في أحداث 23 مارس/آذار 2011.
ويقول أبو نبوت إن شقيقه توجه في تلك الليلة للمساعدة في فك الحصار عن الموجودين داخل المسجد العمري في درعا، قبل أن تصله أنباء عن إصابته ونقله بواسطة سيارة إسعاف إلى المستشفى.
وبحسب روايته، تعرضت سيارة الإسعاف التي كانت تقل شقيقه للتوقيف خلال الطريق، ويقول إن أحمد تعرض للاعتداء قبل وصوله إلى المستشفى وهو في حالة حرجة.
ويضيف:
«نعلم أن الحكم على عاطف نجيب لن يعيد لنا شقيقنا، لكنه يمنحنا قدرًا من جبر الضرر النفسي. وسنواصل المطالبة بحقوقنا ورفع الدعاوى ضد كل من تورط في الجرائم، حتى يتحقق مسار العدالة».
وتعكس شهادة أبو نبوت جانبًا مهمًا من مفهوم العدالة الانتقالية، الذي لا يقتصر على العقوبة الجنائية وحدها، بل يشمل أيضًا كشف الحقيقة والاعتراف بالضحايا وجبر الضرر وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
عاطف نجيب.. من درعا إلى قاعة المحكمة
يمثل وصول عاطف نجيب إلى محكمة سورية ومحاكمته حضوريًا تطورًا لافتًا في مسار المحاسبة بعد سقوط النظام السابق.
وكانت السلطات السورية قد أوقفت نجيب في عام 2025، قبل أن يمثل أمام القضاء ضمن القضية المتعلقة بانتهاكات درعا.
وقضت المحكمة بإعدامه بعد إدانته بجرائم قتل عمد وتعذيب، بينما صدرت أحكام مماثلة غيابيًا بحق بشار وماهر الأسد.
ويكتسب الحكم أهمية إضافية لأنه لا يتعلق فقط بشخصية أمنية سابقة، بل بأحد الأسماء التي ارتبطت مباشرة بالبدايات الأولى للأزمة السورية.
ومع ذلك، فإن العدالة الانتقالية، بحسب المعايير القانونية المعروفة، أوسع من محاكمة عدد من المسؤولين، إذ يفترض أن تمتد إلى جميع الانتهاكات والفاعلين وفق إجراءات قضائية عادلة، بعيدًا عن الانتقام أو المحاسبة الانتقائية.
السلم الأهلي.. الوجه الآخر للعدالة
إلى جانب المحاسبة القضائية، يبرز تحدٍ آخر أمام سوريا يتمثل في كيفية منع سنوات الصراع من التحول إلى دورة جديدة من الانتقام المجتمعي.
وفي هذا السياق، يقول نضال أبو نبوت، رئيس لجنة ملتقى السلام الوطني في الجنوب السوري، في تصريح لـ«مراسلين» بتاريخ 12 أغسطس/آب 2026، إن الملتقى يضم شخصيات من أطياف ومكونات سورية مختلفة، ويهدف إلى دعم حالة من الاستقرار والتعايش داخل المجتمع.
ويؤكد أبو نبوت أن السلم الأهلي يجب أن يكون أحد المرتكزات الأساسية في سوريا الجديدة، بحيث تُحمى حقوق المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الطائفية، ويُضمن حقهم في التعبير والمشاركة في بناء مستقبل البلاد.
ويضيف:
«نبني بلدنا بالمحبة والاحترام، واحترام حقوق كل مواطن مهما كانت طائفته أو انتماؤه».
بين المحاسبة والانتقام
وحول الأحكام الصادرة بحق مسؤولي النظام السابق، يقول نضال أبو نبوت إن الملتقى يقف إلى جانب تطبيق القانون ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
ويضيف أن السوريين عاشوا سنوات طويلة من القمع والاستبداد، وأن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات تمثل، من وجهة نظره، حقًا مشروعًا.
لكن نجاح العدالة الانتقالية في سوريا سيُقاس بقدرتها على تحقيق معادلة أكثر تعقيدًا من إصدار الأحكام: محاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق القانون، وفي الوقت نفسه منع تحول العدالة إلى انتقام جماعي أو سياسي.
فالعدالة الانتقالية في الدول الخارجة من الصراعات لا تقوم فقط على المحاكمات، وإنما تشمل كشف مصير المفقودين والمختفين قسرًا، وتوثيق الانتهاكات، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، وضمان عدم تكرار الجرائم.
حكم له رمزية.. ومسار أطول ينتظر سوريا
يمثل الحكم الصادر في دمشق خطوة بارزة في ملف ظل لعقود خارج نطاق القضاء السوري.
لكن أهميته الحقيقية ستتحدد بما سيأتي بعده.
فإذا تحولت المحاكمات إلى مسار مؤسسي شامل ومستقل يتيح للضحايا تقديم ملفاتهم، ويضمن حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، ويحاسب مرتكبي الانتهاكات دون تمييز، فإنها قد تصبح أحد أسس بناء دولة القانون في سوريا الجديدة.
أما إذا اقتصرت العدالة الانتقالية على عدد محدود من القضايا أو تحولت إلى أداة لتصفية حسابات المرحلة السابقة، فإنها قد تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على تحقيق المصالحة الوطنية.
بالنسبة إلى أهالي درعا، ربما يحمل الحكم معنى أبسط وأكثر إنسانية.
الأطفال الذين اعتُقلوا بسبب كلمات كتبوها على الجدران عام 2011 لم يكونوا يتوقعون أن تتحول قصتهم إلى جزء من تاريخ سوريا الحديث.
وبعد خمسة عشر عامًا، يعود بعض المسؤولين عن تلك المرحلة إلى قاعات القضاء.
لكن الطريق من العدالة للضحايا إلى المصالحة بين السوريين لا يزال طويلًا، وسيكون الاختبار الحقيقي لسوريا الجديدة هو قدرتها على الجمع بين الاثنين.
#سوريا #العدالة_الانتقالية #درعا #عاطف_نجيب #أطفال_درعا #مراسلين

