الداعية حاتم كلودة لـ« مراسلين »: تحويل المنصات الرقمية إلى منابر لترسيخ القيم واجب أخلاقي ووطني

في المشهد الرقمي المعاصر الذي تعج منصاته بالمحتوى السطحي والمهبط للقيم، يبرز الحضور الهادئ والثابت للداعية السوداني حاتم سليمان علي كلودة. فمنذ نحو ستة وعشرين عاماً، اتخذ كلودة من المملكة العربية السعودية وطناً ثانياً له، محولاً حسابه على منصة “تيك توك” – التي تجاوز عدد متابعيه فيها حاجز المليون – إلى منبر دعوي واجتماعي يخاطب الشباب بلغتهم وأدواتهم المعاصرة.
لا يقتصر محتوى كلودة على التوجيه الديني البحت ونشر فضائل الحجاب والستر، بل يمتد ليعكس نبض الشارع السوداني وقضاياه المصيرية، مسخراً منصته لرفع الروح المعنوية للقوات المسلحة السودانية وربط المغتربين والشباب بوطنهم الأم. في هذا الحوار، يتحدث الداعية السوداني عن دافع المواجهة الإيجابية في بيئة رقمية مزدحمة بالسلبية، ورؤيته لمسؤولية صانع المحتوى والأسر في حماية الأجيال الجديدة، داعياً أبناء وطنه إلى الاضطلاع بدورهم ك”سفراء مشرفين” لبلادهم.
من الهندسةالمدنية إلى منابرالتحفيظ والدعوةفي المملكة
بعيداًعن صخب منصات التواصل،حبذا لوتقربنا من نشأتكم الأولى،ومساركم الدراسي والمهني؟
ولدت في أم درمان، وانتقلت في سن مبكرة – نحو الرابعة – إلى مدينة مدني، حيث عمل والدي مهندساً للأشغال ومديراً لأشغال الإقليم السوداني الأوسط. تلقيت تعليمي الأساسي في مدرسة الشيخ الشرقية، ثم المتوسطة في الأميرية، تلتها مدرسة حنتوب الثانوية العريقة. لاحقاً، التحقت بجامعة أم درمان الإسلامية دارساً للهندسة المدنية، قبل أن أنتقل لكلية الدراسات التجارية. أما على الصعيد المهني، فأعمل حالياً في المملكة العربية السعودية في المجال الدعوي، وتحديداً في قطاع تحفيظ القرآن الكريم للرجال والنساء.
مواجهةالمحتوى السلبيب حضور إيجابي يربو على المليون
كيف انطلقت شرارةصناعةالمحتوى لديكم،وماالذي دفعكم لاختيار “تيكتوك“ تحدياًللواقع الرقمي السائد؟
انطلقت الرحلة من منطلق الواجب الشرعي والإنساني تجاه إخواننا، وخاصة الشباب السوداني. لقد لفت انتباهي انتشار المحتوى السلبي بكثافة على المنصة، فأردت أن أقدم حضوراً بديلاً – مهما بدا محدوداً في بداياته – يقدم نافذة للهدى والتوعية والأخلاق، غير أن التفاعل الواسع وتجاوز المتابعين لحاجز المليون تجاوز توقعاتنا الأولى بكثير.
26عاماًفي السعودية… وفاءللوطن الثاني واعتزاز بالهويةالسودانية
يلاحظ المتابع لحسابكم إقامتكم الطويلةفي السعوديةوظهوركم المتكرر بالزي السعودي التقليدي. كيف تنظرون إلى هذه العلاقة؟
أقيم في المملكة منذ نحو ستة وعشرين عاماً، وظهوري بالشماغ السعودي هو ثمرة طبيعية لطول العشرة والاحتكاك بهذا المجتمع المضياف، فضلاً عن تقديرنا العميق لمواقف المملكة المشرفة تجاه قضايا الأمة والسودان خصوصاً. أعتبر السعودية وطني الثاني، ومع ذلك أظهر أحياناً بالزي السوداني، بينما تظل لهجتي سودانية ومحتواي وثيق الصلة بهموم وطني وقضايا أهله وثنائهم في كل محفل.

الحجاب والسترالشرعي: ترسيخ قيم العفةبعيداًعن التشنج
توليتم طرح قضاياالحجاب والسترالشرعي بعنايةعبرالمنصة. كيف تقرؤون تأثيرهذه الرسائل في أوساط المتابعات؟
الحجاب فريضة اجتماعية وضرورة عقدية تخص المرأة السودانية والمسلمة عموماً، وهو جزء لا يتجزأ من رسالتنا الدعوية. حرصنا على إبراز قيمته كنعمة وعفة وصيانة إلهية للمرأة. والحمد لله، لمسنا استجابة طيبة ومباركة من كثير من المتابعات اللاتي التزمن بالحجاب الشرعي، وكان للمادة الدعوية
الهادئة أثرها الواضح في ذلك.
«جيش واحد شعب واحد»… صوت المغتربين يصل إلى الخطوط الأمامية
يبرز في محتواكم حضوروطني لافت ودعم معلن للقوات المسلحةالسودانية. كيف ترون مسؤوليةصانع المحتوى في أوقات الأزمات؟
في ظروف المحنة التي تمر بها بلادنا، نحرص أشد الحرص على إبراز الروح الوطنية ودعم مؤسستنا العسكرية في دفاعها عن الأرض والعرض. شعار “جيش واحد شعب واحد” ليس شعاراً عابراً، بل هو عقيدة عملنا على ترسيخها لرفع معنويات الجنود في الثغور والمرابطين في الميدان. وقد بلغنا عبر رسائل مباشرة أن أصواتنا كانت تصل إلى الخطوط الأمامية، وكان لذلك أثر طيب في تثبيت الأبطال.
المواطن خط الدفاع الأول عن أمن واستقرارالوطن
ماهي الرسالةالأساسيةالتي ترومون ترسيخهامن وراء هذا الخط الوطني الملتزم؟
غايتنا الكبرى هي ترسيخ قناعة راسخة بأن المواطن هو رجل الأمن الأول وخط الدفاع الأصيل عن سيادة وطنه ومقدراته. أمن البلاد مسؤولية تضامنية لا تقبل التجزئة، وتتطلب عيناً ساهرة ووعياً وطنياً عريضاً يحصن الجبهة الداخلية.
خطاب معتدل ينبذالقبليةوالعنصرية ويعززالأخوة
يتميز فضاؤكم الرقمي بتعليقات إيجابية ونأد واضح للتعصب. ماسر بناءهذا النسيج الرقمي المتسامح؟
ج: أتقدم بالشكر الجزيل لكل المتابعين الذين صنعوا هذا النجاح بروحهم الطيبة، ولا شك أن دعوات الأهل والأقارب تقف خلف هذا التوفيق. لقد تعمدنا تقديم نموذج سوداني معتدل، ينبذ القبلية والعنصرية وخطاب الكراهية، ويدعو إلى السلام الاجتماعي والمحبة والأخوة.
منصات التواصل مجالس حديثة… ودورمحوري للأسرةفي التحصين
وسط سيولة المعلومات والمحتوى،ماهي بنظركم أبرز مخاطرالاستخدام العشوائي لوسائط التواصل على الأجيال الجديدة؟
منصات التواصل اليوم بمثابة مجالس عامة كبرى حلت محل النوادي التقليدية. وهي ذات وجهين متضادين؛ إما نعمة تجب شكرها بالعلم والوعي، وإما نقمة إن استُخدمت بغير هدى. ونحن ندعو الشباب دائماً لاستثمار هذه التقنيات في بناء المعرفة وتطوير أدب الحوار الهادف.
كيف يمكن للفرد التمييز العملي بين المتابعة السلبيةالمضرّة والاستخدام الإيجابي البنّاء؟
الفارق جوهري؛ فالمتابعة السلبية تتمثل في التفاعل مع المحتوى الهابط بالإعجاب أو التداول، مما يمنحه انتشاراً لا يستحقه. أما الاستخدام الإيجابي فهو توجيه الوجهة نحو ما ينفع الفرد ومجتمعه، ونشر الفضيلة والعلم والمعرفة، والابتعاد عن كل ما يخدش الحياء أو يضر الدين والأخلاق.
هل ترون أن توجيه الأبناء مسؤوليةحصرية للأسر،أم تقع العبء الأكبرعلى عاتق صناع المحتوى؟
المسؤولية مشتركة، لكن دور الأهل يظل أساسياً ومحورياً في الرقابة والتوجيه والتواجد قرب الأبناء لمعرفة ما يشاهدونه ومن يتابعون. ينبغي على الأسر توعية أبنائهم بأن هذه الأجهزة نعمة مسؤولة، وتشجيعهم على ارتياد المحتوى النافع كالبرامج القرآنية والأحاديث الشريفة والعلوم المفيدة.
دعوةلصناع المحتوى ليكونواسفراءمشرفين للسودان
في ختام هذا الحوار،كيف تقيمون حصادحضورصناع المحتوى السودانيين على منصة “تيكتوك“ في عكس الصورة الحقيقية للبلاد؟
بحكم احتكاكنا اليومي بهذا الفضاء، يعتصر القلب ألمًا أحيانًا حين نرى منصات مشبوهة تحارب الدين والأخلاق وتسيء لصورة السودان بنشر ثقافة الكراهية والعنصرية. ومع ذلك، فالخير باقٍ وأهله كثر؛ فهناك منصات رصينة تدعو للوئام والفضيلة والعفة، وإن كانت قليلة نسبياً مقارنة بالمحتوى الافتقار للوعي. لكننا متفائلون؛ فالوعي ينمو بين الشباب والفتيات، ونأمل أن يكون كل صانع محتوى سوداني على مستوى الأمانة، ليكون سفيراً حقيقياً ومظهراً مشرفاً لوطنه.
نسأل الله العلي القدير أن يلهمنا رشدنا، وأن يصلح حال البلاد والعباد، وأن ينصر قواتنا المسلحة، وأن يرد أهلنا إلى ديارهم سالمين غانمين في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وسائر بقاع السودان، وأن يكفينا شر أعداء الأمة وأهل السودان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.





