إعداد: أبو بكر إبراهيم أوغلو
لم تكتفِ الولايات المتحدة وإيران بتبادل الصواريخ والضربات العسكرية، بل خاضتا معركة أخرى على أرض الرموز والعقائد. فكل طرف حاول أن يضع نفسه في جانب الخير والعدالة، وأن يدفع خصمه إلى معسكر الشر، مستدعياً لغة الدين لتعبئة الجمهور، وتحصين قرارات الحرب، وتحويل المصالح السياسية إلى واجبات أخلاقية تبدو غير قابلة للنقاش.
في واشنطن، قُدّمت الحرب باعتبارها مواجهة بين الحرية والطغيان، وبين «الخير» و«النظام الشرير». وفي طهران، صُوّرت باعتبارها امتداداً تاريخياً للصراع بين المستضعفين والمستكبرين، وبين مشروع إسلامي مقاوم و«الشيطان الأكبر».
ورغم اختلاف النظامين جذرياً، فإنهما التقيا عند نقطة واحدة: إخراج الحرب من مجال السياسة، وإدخالها إلى فضاء المقدّس.
واشنطن.. من الأمن القومي إلى «المهمة الأخلاقية»
رسمياً، برّرت الإدارة الأميركية عملياتها العسكرية بأهداف سياسية وأمنية واضحة: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتدمير قدراتها الصاروخية، وحماية القوات الأميركية وحلفاء واشنطن، وتقليص نفوذ الحرس الثوري والجماعات المرتبطة به.
لكن الخطاب المصاحب للحرب تجاوز لغة المصالح والاستراتيجيات إلى لغة أخلاقية ودينية. فقد وصف مسؤولون ومشرعون أميركيون النظام الإيراني بأنه «قوة شر»، واعتبر بعضهم العملية العسكرية «مهمة عادلة»، مرفقين دعمهم لها بالدعاء للرئيس والجيش وطلب الحماية الإلهية للجنود.
ونشر البيت الأبيض عشرات المواقف المؤيدة لعملية «الغضب الملحمي»، تضمنت عبارات مثل «ليبارك الله قواتنا»، و«مهمة نبيلة»، و«الوقوف في وجه الشر»، بل تحدث أحد أعضاء الكونغرس عن مهمة «عادلة» ينبغي للجنود الأميركيين الانتصار فيها. البيت الأبيض
ليست عبارة «ليبارك الله أميركا» جديدة في الحياة السياسية الأميركية؛ فهي جزء من تقليد يُعرف بـ«الدين المدني الأميركي»، الذي يمزج بين الوطنية والإيمان بفكرة أن الولايات المتحدة تحمل رسالة استثنائية في العالم. لكن الفارق يظهر عندما تتحول البركة الدينية من دعاء عام إلى أداة لإضفاء القداسة على قرار عسكري محدد.
وبهذه الطريقة، لم تعد الحرب مجرد خيار سياسي يمكن نقد جدواه أو مساءلة تكلفته، بل أصبحت اختباراً للولاء الوطني والأخلاقي.
الإنجيليون ونبوءات نهاية الزمان
الدور الأكثر وضوحاً في إدخال الدين إلى الصراع جاء من بعض الزعامات الإنجيلية والقومية المسيحية المؤيدة للرئيس دونالد ترامب ولإسرائيل.
فقد قدّم بعض الوعاظ الحرب باعتبارها جزءاً من مواجهة توراتية كبرى، وربطوا إيران بنبوءات تتعلق بمعركة «هرمجدون» ونهاية الزمان وعودة المسيح. وساعد هذا الخطاب في تعبئة قطاع من القاعدة الإنجيلية خلف الحرب، خصوصاً أن دعم إسرائيل لدى تيارات واسعة من اليمين المسيحي لا يستند إلى اعتبارات جيوسياسية فقط، بل إلى قراءة دينية ترى قيام إسرائيل وحمايتها مقدمة لتحقيق نبوءات الكتاب المقدس.
وخلصت وكالة رويترز إلى أن الخطاب المسيحي الذي استخدمه ترامب جرى تضخيمه عبر منابر إنجيلية قدّمت الحرب باعتبارها صراعاً بين الخير والشر، في وقت كانت فيه شعبيتها تتراجع داخلياً. رويترز
الأخطر كان وصول هذه اللغة، وفق شكاوى وتقارير، إلى داخل المؤسسة العسكرية. فقد تحدث جنود أميركيون عن قادة ربطوا العمليات العسكرية ضد إيران بـ«خطة إلهية»، واستشهدوا بسفر الرؤيا ونبوءات عودة المسيح.
ودفعت هذه الاتهامات أعضاء في الكونغرس إلى مطالبة المفتش العام لوزارة الدفاع بالتحقيق، مؤكدين أن الجيش الأميركي يعمل بأوامر الدستور والسلطة المدنية، وليس بناءً على تفسيرات دينية خاصة. وتظل هذه الوقائع اتهامات تتطلب تحقيقاً رسمياً، لكنها تكشف حجم التداخل بين الخطاب العقائدي والقرار العسكري. خطاب أعضاء الكونغرس إلى وزارة الدفاع
لماذا يحتاج ترامب إلى الدين؟
توظيف الدين لم يكن منفصلاً عن الحسابات السياسية الداخلية. فالقواعد الإنجيلية والقومية المسيحية تمثل كتلة رئيسية في التحالف الانتخابي لترامب، كما أن تصوير الحرب باعتبارها مواجهة مع «الشر» يساعد الإدارة على تجاوز الأسئلة الأكثر تعقيداً:
- ما الأهداف النهائية للحرب؟
- هل الغاية منع السلاح النووي أم تغيير النظام؟
- ما حدود الالتزام العسكري الأميركي؟
- من يتحمل تكاليف الحرب الاقتصادية والبشرية؟
- وهل حصلت العمليات الممتدة على تفويض دستوري واضح؟
عندما تُقدَّم الحرب باعتبارها واجباً أخلاقياً أو استجابة لإرادة إلهية، يصبح التشكيك فيها أقرب إلى التشكيك في العقيدة أو خيانة الجنود، لا مجرد اختلاف مشروع حول السياسة الخارجية.
إيران.. دولة تأسست على دمج الدين والسياسة
إذا كانت واشنطن تستدعي الدين من خارج بنيتها الدستورية العلمانية، فإن إيران لا تحتاج إلى استدعائه؛ لأن الدين موجود أصلاً في صميم نظامها السياسي.
فالجمهورية الإسلامية، منذ ثورة عام 1979، تقوم على مبدأ «ولاية الفقيه»، الذي يمنح المرشد الأعلى سلطة دينية وسياسية وعسكرية واسعة. ويقدم النظام نفسه باعتباره حامياً للإسلام والمستضعفين ومقاوماً للهيمنة الغربية.
ومن هنا تشكّل القاموس الإيراني للصراع: الولايات المتحدة هي «الشيطان الأكبر»، وإسرائيل «الكيان الصهيوني»، والقوات الإيرانية «جنود الإسلام»، والقتلى «شهداء»، بينما توصف الحرب بأنها دفاع عن الأمة والمقدسات والاستقلال في مواجهة «الاستكبار العالمي».
هذا القاموس لا يشرح الواقع فقط، بل يعيد بناءه على هيئة قصة دينية مكتملة: مظلوم في مواجهة ظالم، وشهادة تقود إلى النصر، وتضحية فردية تحفظ بقاء الجماعة.
كربلاء بوصفها نموذجاً سياسياً
تحتل واقعة كربلاء ومقتل الإمام الحسين مكانة مركزية في الوعي الشيعي. وقد وظفت الجمهورية الإسلامية هذه الذاكرة في بناء ثقافة سياسية تعتبر الصمود والتضحية والاستشهاد أدوات لمقاومة قوة متفوقة عسكرياً.
في الحرب مع الولايات المتحدة، أعاد الخطاب الإيراني إنتاج هذه الثنائية: إيران في موقع الحسين المظلوم، وخصومها في موقع القوة المتغلبة. وبهذا يصبح التراجع خذلاناً للدماء، بينما تتحول مواصلة القتال إلى وفاء للشهداء.
وبعد مقتل المرشد علي خامنئي في الضربات الأميركية–الإسرائيلية في 28 فبراير/شباط 2026، ركز الإعلام الرسمي على وصفه بـ«الشهيد»، وحوّل مراسم تشييعه إلى استعراض ديني وسياسي عابر للحدود.
ومرّ النعش عبر النجف وكربلاء، وهما من أكثر المدن قداسة لدى الشيعة، وسط شعارات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل»، وبمشاركة مسؤولين وقادة في الحرس الثوري وجماعات عراقية مرتبطة بطهران. لم يكن اختيار هذا المسار مجرد إجراء جنائزي، بل كان محاولة لربط مقتل المرشد بسلسلة رمزية تمتد إلى الإمام علي والإمام الحسين، وتحويل خسارة رأس النظام إلى مصدر جديد للشرعية والتعبئة. رويترز
كما اعتبرت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة أن الضربة زرعت في قلوب الإيرانيين «بذور الكراهية والانتقام»، بينما قدم الإعلام الرسمي الحشود المشاركة في التشييع دليلاً على استمرار ارتباط الشعب بالنظام. رويترز
«الوعد الصادق».. الدين في تسمية الصواريخ
أطلقت إيران على ردها العسكري اسم «الوعد الصادق 4»، في امتداد لسلسلة عمليات حملت الاسم نفسه. والعبارة مستمدة من القاموس القرآني القائم على حتمية تحقق وعد الله.
هنا تتحول تسمية العملية إلى رسالة نفسية وعقائدية: الرد ليس قراراً عسكرياً قابلاً للتبديل، بل تنفيذ لـ«وعد» لا يجوز التراجع عنه. كما يوحي الاسم بأن النصر مضمون أخلاقياً، حتى إن تأخر ميدانياً.
ويمنح هذا النوع من التسميات الصواريخ وظيفة تتجاوز التدمير العسكري؛ إذ تصبح جزءاً من سردية دينية تُطمئن الأنصار، وترهب الخصوم، وتساعد النظام على امتصاص الخسائر.
الدين غطاء للمصالح
خلف الخطابات الدينية، ظل الطرفان يتحركان وفق حسابات شديدة الواقعية.
فالولايات المتحدة قاتلت لحماية نفوذها وقواعدها وحلفائها ومنع إيران من التحول إلى قوة نووية مهيمنة، وتأمين طرق الطاقة والملاحة. وإيران قاتلت لحماية النظام، والحفاظ على قدرتها على الردع، ومنع تفكيك شبكتها الإقليمية وإظهار أنها ما تزال قادرة على إلحاق الضرر بخصومها.
وعندما توصل الطرفان إلى فترات تهدئة، لم تستند الترتيبات إلى نصوص دينية، بل إلى حسابات الذخائر والأهداف والطاقة والضغوط الاقتصادية والتوازن العسكري. ففي يوليو/تموز، تحدث مسؤول إيراني عن قاعدة «ضربة مقابل ضربة»، مؤكداً استعداد طهران لوقف هجماتها إذا توقفت الضربات الأميركية. رويترز
وهنا يظهر التناقض: الخطاب يقول إن المعركة أبدية ومقدسة، بينما الممارسة تفاوضية ومحسوبة، تخضع لموازين القوة والكلفة.
تشابه في الوظيفة.. واختلاف في البنية
ليس دقيقاً وضع واشنطن وطهران في مستوى واحد تماماً.
في إيران، الدين هو أساس شرعية النظام ومصدر من مصادر القانون والعقيدة العسكرية، والمرشد يجمع بين السلطة الدينية والسياسية. أما الولايات المتحدة فتبقى دولة دستورية تفصل رسمياً بين الدين والدولة، وتضم مؤسسات وقوى سياسية ودينية عارضت تحويل الحرب إلى حملة عقائدية.
لكن الاختلاف البنيوي لا يلغي التشابه الوظيفي. فقد استخدم الطرفان الدين لتحقيق أربع غايات رئيسية:
- منح الحرب شرعية أخلاقية: فكل طرف ادعى أنه يدافع عن الخير والعدل.
- تعبئة المجتمع: عبر استدعاء الخوف والإيمان والشهادة والحماية الإلهية.
- نزع الشرعية عن الخصم: بتحويله من منافس سياسي إلى تجسيد للشر.
- تقييد المعارضة: إذ يصبح منتقد الحرب خائناً أو ضعيف الإيمان أو متخاذلاً أمام العدو.
عندما تصبح التسوية خيانة
أخطر نتائج إقحام المقدّس في الصراع أنه يجعل التسوية أكثر صعوبة. يمكن التفاوض حول الحدود والنفوذ والمنشآت النووية والعقوبات، لكن كيف يمكن التفاوض مع «الشيطان الأكبر» أو مع عدو يُقدَّم بوصفه قوة شر مطلقة؟
وكلما ارتفعت اللغة الدينية، ضاقت المساحة المتاحة للدبلوماسية. فالتنازل يتحول إلى خيانة للشهداء، والتهدئة إلى انتصار للشر، والتسوية إلى تخلي عن رسالة إلهية مزعومة.
كما تسمح هذه اللغة بإخفاء الإنسان الحقيقي خلف الرموز. فالمدني الإيراني لا يعود شخصاً له بيت وأسرة، بل رقماً داخل «معركة تحرير». والجندي الأميركي لا يعود مواطناً يخضع قرار إرساله للحرب للمساءلة، بل مقاتلاً في «مهمة مقدسة».
الله لا يضع خرائط الأهداف
لم يكن الدين هو السبب الوحيد للحرب الأميركية–الإيرانية، لكنه كان من أهم أدوات تسويقها وإطالة عمرها. استدعته واشنطن لتقديم القوة العسكرية في صورة رسالة أخلاقية، واستدعته طهران لتحويل الدفاع عن النظام إلى دفاع عن الإسلام والشهادة والمقدسات.
وفي الحالتين، جرى استخدام اسم الله لمنح قرارات بشرية غطاءً لا يحتمل الاعتراض.
لكن الله لا يختار مواقع القصف، ولا يحدد إحداثيات الصواريخ، ولا يضع قوائم الأهداف. السياسيون والقادة العسكريون هم الذين يفعلون ذلك، ثم يبحث بعضهم في النصوص والرموز عن لغة تبرر ما قرروه مسبقاً.
وعندما يدّعي طرفان متحاربان أن السماء تقف إلى جانبهما، فإن أول ضحايا الحرب لا يكون الحقيقة فقط، بل الدين نفسه.



