أخباردنيا ودينعربي و دولي

ذاكرة أوغستين تعود في أول زيارة لبابا الفاتيكان للجزائر

أوغسطين وبابا الفاتيكان.. حين تستدعي الجزائر أسئلتها القديمة

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
كتب: سعد الله مولود

“إن زالت روما فلن يزول ملكوت الله.”
تلك كانت مقولة القديس أوغسطين، حين أراد بها أن يُفرّق بين مصير الممالك الأرضية الزائلة وديمومة الملكوت الإلهي، رداً على من رأى في سقوط روما نهايةً للعالم.

وقد عادت ذاكرة أوغسطين إلى الواجهة مع الزيارة التاريخية الأولى من نوعها لبابا الفاتيكان إلى الجزائر، التي امتدت يومين جال خلالهما البابا في كنيسة السلام التاريخية، وكنيسة أوغسطين في ولاية عنابة، وهي المدينة التي سبق أن زارها مرتين حين كان قسيساً.

وشملت الزيارة أيضاً جامع الجزائر الأعظم وكنيسة السيدة الإفريقية، في مشهد جمع بين فضاءين دينيين متقابلين في التاريخ والجغرافيا، كأنه محاولة لإعادة ترتيب علاقة الأديان وفتح الحوار بينها في منطقة كانت عبر قرون مسرحاً للتحولات والصدامات، أكثر من كونها مساحةً للتماس الروحي الهادئ.

من هو أوغسطين؟

أوغسطين هو القديس والفيلسوف المسيحي المعروف بـAugustine of Hippo، وُلد عام 354 وتوفي عام 430 ميلادية في مدينة هيبون، عنابة حالياً.

عاش في كنف إمبراطورية رومانية متآكلة سياسياً ومضطربة فكرياً، وهو ما انعكس على مساره الشخصي الذي مرّ بمرحلة شك وبحث فلسفي طويل قبل أن يستقر على المسيحية.

وتتجلى رحلته في البحث عن الحقيقة في مقولته الشهيرة: “اعرف نفسك لتعرف الحقيقة”، التي عنى بها أن الوصول إلى الحقيقة يستلزم نوراً داخلياً هو الإيمان بالله، وذلك في عالم كان يعيش بدوره أزمة يقين كبرى.

والجدير بالذكر أن أوغسطين لم يعرف الإسلام وتعاليمه، إذ عاش قبل ظهوره بنحو قرنين، في زمن لم تكن فيه الخريطة الدينية للعالم على الصورة التي نعرفها اليوم.

وهو ما يجعل قراءة إرثه محصورةً دائماً في سياقها التاريخي والفكري الخاص، رغم أن هذا الإرث يُستحضر اليوم في قراءات تتجاوز زمنه الأصلي.

ومن أبرز أعماله كتاب مدينة الله (City of God)، الذي كتبه في أعقاب سقوط روما، مؤسساً من خلاله تفكيكاً فلسفياً لفكرة الانهيار، رافضاً اختزال سقوط الإمبراطوريات في نهاية التاريخ، وبانياً ثنائية حادة بين “مدينة الأرض” القائمة على القوة والمصلحة، و”مدينة الله” القائمة على المعنى والعدل والخلود.

الزيارة في سياقها الدولي

لا يمكن فصل هذه الزيارة عن المناخ الدولي المتوتر الذي يتقاطع فيه الدين بالسياسة. فقد شهدت السنوات الأخيرة توترات بين الخطاب البابوي وخطابات سياسية شعبوية، من بينها الجدل الذي رافق مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الهجرة والهوية والدين والحروب.

وهو جدل يكشف تبايناً واضحاً بين خطاب يقوم على الانغلاق وإعادة رسم الحدود، وخطاب ديني يدافع عن الانفتاح الإنساني المشروط بالقيم. والعالم اليوم، في ظل حروب ممتدة ونزاعات مفتوحة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، يعيش حالة من إعادة تشكّل المعنى السياسي والأخلاقي، ما يجعل مثل هذه الزيارات تُقرأ كإشارة ضمنية إلى محاولة إعادة إدخال “الضمير الأخلاقي” في معادلة دولية يغلب عليها منطق القوة لا منطق القيم.

الجزائر.. أرض الأسئلة الكبرى

تأتي هذه الزيارة إلى بلد يُشكّل في ذاته طبقةً رمزية عميقة؛ فالجزائر أرض أوغسطين، ومختبر تاريخي للتعدد الديني والثقافي. وهو ما يمنح الحدث بُعداً يتجاوز البروتوكول إلى ما يشبه إعادة فتح سؤال قديم لم يُجَب عنه بعد: هل يمكن للمعنى أن ينتصر على الصراع؟

خاص - مراسلين

شبكة مراسلين هي منصة إخبارية تهتم بالشأن الدولي والعربي وتنشر أخبار السياسة والرياضة والاقتصاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews