أخباردنيا ودينسوريا

سوريا: «مجلس الإفتاء الأعلى» يعيد نشر فتوى تحريم الثأر ويطالب بعزل “قضاة السوء”

صوناً للسلم المجتمعي.. كيف تحاول المرجعيات الدينية محاصرة الفوضى والانتقام الفردي

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين

في خطوة تعكس حجم القلق من انزلاق البلاد نحو فوضى أمنية شاملة، أعاد مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا، نشر فتوى شرعية حاسمة كان قد أصدرها في السادس من يونيو/ حزيران الحالي، تقضي بـ تحريم الثأر والانتقام خارج نطاق القضاء وإطار القانون الرسمي.

ويأتي هذا التحرك الديني والسياسي المتجدد في ظل تصاعد محموم لدعوات شعبية وتحركات ميدانية تطالب بالاقتصاص المباشر من “الشبيحة” وفلول نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في عدد من المدن والمحافظات السورية المحررة.

وأكد المجلس في بيان حمل عنوان “فتوى في حكم الثأر والانتقام”، أنه تلقى سيلاً من الرسائل والاستفسارات حول مسائل التعامل مع الدماء المعصومة وأخذ الحقوق، مشيراً إلى أن موقفه ينطلق من مسؤولياته الشرعية لحفظ الأنفس.
وشدد على أن التعدي على الدماء والأعراض والأموال يُعد من أعظم أنواع الظلم، مستدركاً بأن من وقع عليه حيف أو انتهاك من حقّه الكامل المطالبة بمعاقبة الظالم واسترداد الحقوق، ولكن حصراً عبر الطرق المشروعة والقنوات القانونية.

فقه استيفاء الحقوق وتحذيرات من “قضاة السوء”

وفصّلت الفتوى المحاور الأساسية التي يجب أن تسير وفقها العدالة الانتقالية في سورية، محذرة من مغبة التصرفات الفردية التي تؤدي إلى إشاعة قانون الغاب:

  • الاختصاص القضائي الحصري: أوضح المجلس أن أهل العلم أجمعوا على أن إقامة الحدود والقصاص هي من اختصاص “الإمام أو من ينوب عنه” (السلطات القضائية والتنفيذية القائمة)، وأن من ينفرد بإنفاذها يستحق العقوبة التعزيرية بتهمة “الافتئات على الحاكم”، معتبراً الانتقام الفردي هدماً لأسس الأمن والعدل.
  • تحريم التحريض: جرمت الفتوى كل أشكال التحريض على الثأر عبر وسائل الإعلام أو المنصات، لما يترتبه عليه من تأجيج للفتنة وتعميق الأحقاد بين أبناء المجتمع الواحد.
  • تطهير السلك القضائي: وجّه المجلس نداءً مباشراً إلى المسؤولين والجهات المختصة بضرورة التعامل الفوري والجاد مع ملفات محاسبة المجرمين، مطالباً بـ “إبعاد قضاة السوء” الذين شكلوا أداة طيعة للنظام البائد في ظلم السوريين والتنكيل بهم، كخطوة أساسية لترسيخ الثقة في القضاء الجديد.

غليان في المحافظات وأعمال تخريب

تتزامن إعادة نشر فتوى تحريم الثأر بسورية مع موجة اضطرابات ميدانية واسعة تشهدها محافظات سورية عدة؛ أبرزها إدلب وحلب شمالاً، ودير الزور شرقاً، ودرعا جنوباً، وصولاً إلى حمص والعاصمة دمشق.

وتخرج في هذه المناطق احتجاجات شبه يومية تتطور في كثير من الأحيان إلى أعمال تخريب، وحرق للممتلكات، واعتداءات جسدية تستهدف عناصر اللجان الشعبية السابقة ومسؤولي البعث وفلول النظام المخلوع.
وبحسب المعطيات الميدانية المتداولة، فقد أسفرت هذه المواجهات العشوائية حتى الآن عن مقتل شخص في بلدة “كفرتخاريم” بريف إدلب الشمالي، فضلاً عن سقوط عدد من الجرحى، مما ساهم في صب الزيت على نار الاحتجاجات وتوسيع رقعة الانفلات.

معركة الوعي ومأزق العدالة الانتقالية

تثبت الصرامة التي صيغت بها فتوى تحريم الثأر بسورية أن القوى الدينية والسياسية في دمشق تدرك تماماً خطورة مرحلة ما بعد السقوط، حيث يتحول غياب المحاسبة السريعة إلى وقود يدفع المواطنين لانتزاع حقوقهم بأيديهم؛ فالشارع السوري المثقل بآلام ومجازر عقود من حكم الأسد يعيش حالة غليان عاطفي وتصفية حسابات يصعب لجمها بالبيانات الوعظية وحدها ما لم تقترن بمحاكمات علنية وشفافة.

إن تحذير المجلس من “الاعتماد على الشبهات والإشاعات” يضع السلطات التنفيذية والمجالس المحلية الحالية أمام تحدٍّ وجودي: إما التأسيس السريع لجهاز قضائي نزيه يخلو من “قضاة السوء” ويمتلك القدرة على ملاحقة “الشبيحة” وجلبهم للعدالة، أو الاستسلام لمنطق الثأر القبلي والمناطقي الذي قد يحول المدن المحررة إلى كانتونات ممزقة يقتل فيها الناس بناءً على الهوية والوشاية، مما يهدد بإحراق ثمار التغيير السياسي والدخول في نفق حرب أهلية من نوع آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews