أخبارتقارير و تحقيقاتدنيا ودينعربي و دولي

إحرام فوق الركام.. الاحتلال يحرم أهل غزة من أداء فريضة الحج للعام الثالث

للعام الثالث على التوالي حرمان 2500 حاج من حقهم في زيارة بيت الله الحرام

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
تقرير: محمد خلاف

بينما تتوافد قوافل الحجاج من شتى بقاع الأرض نحو الأراضي المقدسة، ملبية نداء الخليل إبراهيم، يقف سكان قطاع غزة للعام الثالث على التوالي خلف سياج من العزلة القسرية، تنهشهم الحسرة وهم يشاهدون موسم الحج يمر من أمام أعينهم المجهدة، دون أن يظفروا بلمسة لواجهة الكعبة المشرفة.

إنها العزلة التي لم تكتفِ بسلب الأمان والغذاء، بل امتدت لتصادر حقهم في ممارسة أقدس شعائرهم الدينية، في مخالفة صريحة لكل المواثيق والأعراف الدولية والإنسانية.

أرقام خلف الحصار: ضياع الحصة المشروعة

وفق النظام المتعارف عليه دولياً لتوزيع حصص الحج، تمنح المملكة العربية السعودية ألف فرصة حج لكل مليون نسمة، ما يجعل حصة فلسطين السنوية تتجاوز الـ 6 آلاف حاج.
تاريخياً، كان لقطاع غزة نصيب الأسد بنحو 2500 حاج سنوياً، إلا أن هذا المسار الروحاني تعطل تماماً منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023.

اليوم، ومع حلول موسم الحج لعام 2026، يجد الغزيون أنفسهم مستثنين بالكامل من القوائم الرسمية، بسبب إغلاق معبر رفح وكافة المنافذ البرية، وغياب أي ممر آمن يضمن خروجهم وعودتهم، لتقتصر الحصة الفلسطينية “جزئياً” على من وجدوا خارج القطاع قبل بدء العدوان.

حقائب الانتظار.. من البيوت إلى الخيام

خلف كل “اسم” في كشوفات وزارة الأوقاف، قصة صبر دامت سنوات. آلاف المواطنين، ولا سيما كبار السن والمرضى، أمضوا عقوداً يدخرون “تحويشة العمر” استعداداً لهذه اللحظة.
واليوم، تحولت ملابس الإحرام والحقائب التي جُهزت مسبقاً إلى مقتنيات حزينة معلقة على أعمدة الخيام ومراكز النزوح، تكسوها أتربة القصف بدلاً من رذاذ زمزم.

والأشد إيلاماً هو رحيل العشرات من كبار السن الذين وافتهم المنية خلال الحرب أو بسبب المرض والجوع، وهم يحملون في قلوبهم غصة “المنع”؛ رحلوا دون أن تتحقق أمنيتهم التي انتظروها طويلاً، لتتحول أوراق تسجيلهم في كشوفات الحج إلى مجرد ذكرى لموسم لم يكتمل.

شركات الحج: استغاثة في وادٍ غير ذي زرع

لم تتوقف جمعية أصحاب شركات الحج والعمرة في غزة عن المطالبة بحقوق الحجاج؛ حيث نظمت العديد من الوقفات التضامنية والفعاليات الشعبية رغم اشتداد القصف.
وفي حديث لـ “شبكة مراسلين”، أكد رئيس الجمعية، محمد الأسطل، أن “تعنت الاحتلال الواضح” يمثل انتهاكاً صارخاً لحرية العبادة والتنقل.

وأضاف الأسطل: “لقد عملنا على مدار ثلاثة أعوام لتأمين ممرات آمنة، وناشدنا المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية لتحييد هذا الملف الديني عن الصراعات العسكرية، لكن الإغلاق الشامل شل كل الجهود”.
وشدد الأسطل على أن حرمان الغزيين من الحج ليس عائقاً لوجستياً فحسب، بل هو قرار سياسي يهدف لتعميق العزلة النفسية والروحية لسكان القطاع.

شعائر غائبة ومشاعر مفقودة

لقد سلب العدوان من غزة فاعلياتها الجميلة؛ اختفت مجالس الوداع، وغابت الدروس الدينية التي كانت تسبق السفر، وتلاشت تجمعات العائلات التي كانت تزف الحجاج بالتكبيرات والدموع.
وبدلاً من أن يكون موسم الحج مناسبة للابتهاج، بات بالنسبة للغزيين موسماً لاستحضار الفقد؛ فبدلاً من الدعاء عند جبل عرفات، يلهج السكان بالدعاء تحت وطأة النزوح لتأمين شربة ماء أو كسرة خبز تسد رمق أطفالهم.

الحج حق إنساني سليب

يرى مراقبون أن حرمان أكثر من مليوني شخص من الحج للعام الثالث يضع الضمير العالمي أمام تساؤل أخلاقي: كيف يمكن للعالم أن يتقبل مشهد تدفق الحجاج من القارات الست، بينما يُمنع شعب كامل من ممارسة حقه الديني الأبسط بسبب جدار من النار والإغلاق؟

ستبقى مكة قبلة القلوب، وستبقى غزة تنظر نحو الأفق البعيد، بآمال معلقة على “فتح استثنائي” للمعابر، وسط واقع إنساني هو الأقسى في التاريخ الحديث، حيث تحول فيه الركن الخامس من أركان الإسلام إلى شهادة جديدة على حجم الظلم الواقع على هذا القطاع المحاصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews