سوريا

استراتيجية (القضم الهادئ) الأمريكية حيال الهلال الخصيب


شبكة مراسلين

ساعود جمال ساعود

تنطلق قراءة المشهد الجيوسياسي الراهن في المشرق العربي من فرضية بالغة الأهمية والدقة، يمكن صياغتها علمياً تحت عنوان “فرضية الامتداد الإمبراطوري الناعم في الهلال الخصيب”. تفترض هذه الرؤية الاستراتيجية أن سقوط نظام الأسد في سوريا لم يكن مجرد تبدل في نظام الحكم بدمشق، بل كان بمثابة زلزال جيو-استراتيجي كسر المدى الجغرافي الحيوي للمحور الذي تقوده طهران. بناءً على هذا الانكسار التاريخي، باشرت الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية غير معلنة لإعادة إدماج العراق وسوريا قسرياً ضمن منطقة نفوذها الاقتصادي والأمني، معتمدة على أدوات الهيمنة الناعمة وغير المباشرة، بهدف عزل إيران جغرافياً ومحاصرتها اقتصادياً وعسكرياً، لتشكل طهران بذلك العقبة الكأوود الأخيرة التي يجب تفكيك أوراق قوتها الإقليمية للوصول إلى هندسة أمريكية مستدامة للمنطقة.

إن القناعة التحليلية الراسخة تدعم هذه الفرضية بقوة وتؤيد واقعيتها الجيوسياسية على الأرض؛ فالولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى تحريك الجيوش الغازية أو استخدام الأسلحة التقليدية الثقيلة لفرض وصايتها، وهي التي تجرعت مرارة الخسائر البشرية والمادية في غزو العراق عام 2003. لقد استبدلت واشنطن الدبابات العسكرية بأدوات أكثر فتكاً وأقل كلفة، تتمثل في “الاستعمار التكنولوجي والمالي” والهيمنة الرقمية على مفاصل الدول. وتتجلى هذه القناعة بوضوح عند تفكيك آليات السيطرة الأمريكية على مفاصل الاقتصاد العراقي؛ حيث يبرز مجلس الاحتياطي الفيدرالي كقوة مهيمنة عليا تتحكم في عروق النفط وتدفقات الدولار عبر منصات الامتثال الإلكتروني الصارمة التي تخنق المصارف والأسواق، وتحوّل العملة الصعبة إلى سوط سياسي مسلط على رقبة أي حكومة في بغداد، مما يجبرها على الانصياع الطوعي للمطالب الأمريكية لتفادي الانهيار الاجتماعي الحتمي.

ويتأكد هذا المنحى الاستراتيجي بالنظر إلى التغيرات البنيوية التي طرأت على الجغرافيا السياسية للمنطقة بعد سقوط دمشق؛ فقد انقطع الجسر البري التاريخي الممتد من طهران مروراً ببغداد والبادية السورية وصولاً إلى بيروت، وهو الشريان الحيوي الذي غذى نفوذ إيران لعقود طويلة. في المشهد السوري الجديد، فرضت الولايات المتحدة نفوذها بشكل غير مباشر عبر السيطرة على مناطق شرق الفرات الغنية بالنفط والقمح بالتنسيق مع حلفائها المحليين، إضافة إلى تمسكها بقاعدة التنف الاستراتيجية في مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية. هذا الانتشار الذكي حوّل الأراضي السورية والعراقية إلى حاجز جغرافي صلب يحرم طهران من الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، ويحشر أدواتها العسكرية والاقتصادية في زاوية ضيقة وجافة مالياً وعسكرياً، مما يفقدها القدرة على المناورة الإقليمية الواسعة.

وفي سياق متصل، تسعى الاستراتيجية الأمريكية إلى إرساء نمط جديد من الحكم في بلدان الهلال الخصيب يتجاوز شرعية الميليشيات المسلحة ويستبدلها بشرعية “التكنوقراطية والمؤسسات والشركات”. يبرز هذا التوجه في الضغوط الشديدة التي تمارسها واشنطن على بغداد لدمج الفصائل المسلحة داخل هيكل الدولة أو تجريدها من أسلحتها، مستغلة في ذلك حاجة العراق الماسة للاستثمارات الدولية وإعادة الإعمار. وفي سوريا، يُرسم المسار المستقبلي لربط أموال الهيئات المانحة ومشاريع البنية التحتية بمدى التزام القوى الجديدة بقطع صلاتها مع المعسكر الإيراني والروسي. هذا الأسلوب الذكي في الهيمنة يلبس عباءة التطوير الاقتصادي وتحديث النظم المالية والرقمنة، لكنه في جوهره يمثل إحكاماً لقبضة الوصاية الغربية على السيادة الوطنية لهذه الدول بطرق ناعمة ومقبولة دولياً ومحلياً.

ورغم قوة هذه المعطيات التي تُثبت صحة فرضية التمدد الأمريكي الناعم، إلا أن القراءة الاستراتيجية العميقة تفرض علينا التوقف عند ثغرات بنيوية قد تحول دون اكتمال هذا المخطط الإمبراطوري. تتلخص العقبة الأولى في العمق الديموغرافي والعقائدي والاجتماعي الذي تمتلكه إيران داخل النسيج المجتمعي العراقي والسوري؛ فالامتداد الإيراني لا يقتصر على تحالفات سياسية عابرة أو وجود عسكري فوقي، بل يتغلغل في البنية الدينية والمذهبية والاجتماعية لشرائح واسعة، مما يمنحها قدرة فائقة على إشعال حروب استنزاف صامتة ومقاومة مسلحة غير تقليدية من شأنها زعزعة استقرار أي مشروع أمريكي وإجهاضه من الداخل في اللحظة التي يشعر فيها هؤلاء الحلفاء بالتهديد الوجودي والاجتثاث الفعلي.

وتتمثل العقبة الثانية في الموقف الحذر للقوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة، وتحديداً الصين وروسيا، اللتين لن تقبلا بتحول المشرق العربي إلى بحيرة أمريكية خالصة. فالصين تنظر إلى العراق وسوريا كعقدتين جوهريتين في مشروع “الحزام والطريق” ولا يمكنها التخلي عن مصالحها الاستثمارية والتجارية العملاقة هناك، بينما ستعمل روسيا بكل ثقلها الدبلوماسي والأمني للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في حوض البحر الأبيض المتوسط، ومحاولة نسج تفاهمات براغماتية مع النخب الجديدة لتقليص مساحات الاستفراد الأمريكي بالمنطقة والحد من قدرة واشنطن على فرض وصايتها الكاملة على دمشق وبغداد.

علاوة على ذلك، يظل عامل الرفض الشعبي المحلي للتدخلات الخارجية مهدداً دائماً للخطط الأمريكية؛ فالاعتماد المفرط على فرض سياسات اقتصادية قاسية تمليها المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، قد يولد موجات غضب شعبي وقومية متصاعدة في الشارع السوري والعراقي. هذا التذمر المجتمعي يسهل تحويله إلى حركات تمرد راديكالية جديدة تستهدف المصالح الأمريكية الحيوية، مما يعيد إنتاج الفوضى ويفجر المشاريع الغربية التنموية من قواعدها، حيث تثبت الدروس التاريخية القريبة أن الشعوب في هذه المنطقة ترفض في نهاية المطاف الذوبان الكامل تحت مظلة التبعية الأجنبية مهما تجمّلت تلك التبعية بوعود الرفاه الاقتصادي والاستقرار التكنولوجي.

وفي نهاية هذا التحليل الاستراتيجي الشامل، يتبين أن فرضية التمدد الناعم واحتواء المشرق العربي هي قراءة صحيحة تعبر عن الواقع الفعلي المتمثل في قضم صامت لسيادة الدول واستخدام سلاح النقد والرقمنة لإملاء التوجهات الكبرى. لقد غدت الجغرافيا الممتدة بين بغداد ودمشق ساحة معزولة ومتحكماً بها عن بعد بأزرار الاقتصاد والأمن والشرعية والمؤسسات، مما يجعل إيران بالفعل العقبة الحقيقية والأخيرة في هذا المضمار الإقليمي الشرس. إن طهران تجد نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما الانخراط في مفاوضات تسوية شاملة بشروط واشنطن المجحفة، أو الاستسلام للاختناق البطيء داخل حدودها الوطنية بعد تدمير روافع قوتها الإقليمية وسقوط حلفائها التاريخيين في دمشق وبيروت وبغداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى