
تصريحات وتساؤلات في الحالة السودانية
أثارت تصريحات محمد الفكي سليمان، التي وجّه فيها نصائح إلى رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أسئلة تتجاوز مضمون النصيحة إلى توقيتها وما تكشفه عن تصورات المرحلة المقبلة. ويمكن قراءة تلك التصريحات من خلال أربع ملاحظات رئيسية، تتفرع عن أولها سبع إشارات سياسية.
أولًا: هل يفتقر البرهان إلى قاعدة جماهيرية؟
قال محمد الفكي إن البرهان لا يمتلك قاعدة جماهيرية. لكن هذا الحكم يحتاج إلى تمييز بين القاعدة الحزبية المنظمة وبين التأييد الذي قد يكتسبه قائد عسكري في ظرف استثنائي. فحضور الناس في لقاءات البرهان لا يكفي وحده لقياس شعبيته، كما أن غياب تنظيم حزبي خلفه لا يعني بالضرورة انعدام التأييد له.
وفي حديث الفكي سبع إشارات تستحق التأمل:
- حديثه عن تأثير الإسلاميين: ربط الفكي ما وصفه بتخبط البرهان بتأثير الإسلاميين وغياب السياسيين الوطنيين عن محيط القرار. وهذه قراءة لدائرة النفوذ حول البرهان تستدعي نقاشًا سياسيًا واضحًا.
- الحديث باسم المصلحة الوطنية: قال الفكي إن نصيحته تنطلق من حبه للسودان. وتُقاس جدية هذا الموقف، في النهاية، بمدى مساهمة أي طرح سياسي في وقف الحرب وحماية المدنيين ووحدة البلاد.
- التمييز بين البرهان والإسلاميين: يرى الفكي أن البرهان مكّن بعض الإسلاميين، لكنه لا يضعه بالضرورة في الإطار التنظيمي نفسه. وقد يكون في هذا التمييز إقرار بأن خيارات البرهان السياسية قابلة للمراجعة.
- التحذير من تحركات الإسلاميين: يمكن فهم هذا التحذير بوصفه دعوة إلى تغيير موازين التأثير حول البرهان، لا دعوة إلى استبعاده من أي تسوية محتملة.
- استدعاء دور المؤسسة العسكرية: الإشارة إلى شخصيات داخل الجيش والاستخبارات تعكس إدراكًا بأن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتجاهل المؤسسة العسكرية، مهما بلغ الخلاف حول دورها السياسي.
- فتح باب التقارب: تحمل النصيحة، في أحد وجوهها، رسالة مفادها أن البرهان يستطيع توسيع خياراته السياسية إذا انفتح على قوى مدنية أخرى. لكن أي تقارب من هذا النوع يحتاج إلى برنامج معلن، لا إلى تبادل الإشارات وحده.
- مسألة القاعدة المنظمة: قد لا يمتلك البرهان تنظيمًا سياسيًا جماهيريًا على غرار الأحزاب، غير أن ذلك يطرح سؤالًا أوسع: كيف يمكن الانتقال من التأييد المرتبط بالحرب إلى شرعية سياسية تستند إلى مؤسسات ومشاركة شعبية؟
ثانيًا: اقتراب البرهان من الناس
انتقد الفكي ذهاب البرهان إلى الأماكن التي يوجد فيها الناس. وفي تقديري، لا ينبغي النظر إلى زيارة الأسواق ودور العبادة والملاعب بوصفها انتقاصًا من هيبة المسؤول. فاقتراب القيادة من المواطنين مهم، خصوصًا في بلد أنهكته الحرب.
لكن الزيارات العامة تكتسب معناها الحقيقي حين تقترن بالاستماع إلى الناس، وتحسين الخدمات، ومصارحتهم بالتحديات والقرارات. فالثقة لا تصنعها الصور وحدها، بل تبنيها الاستجابة لمطالب المواطنين.
ثالثًا: الفرح في استاد الخرطوم
وصف الفكي بعض الحاضرين في استاد الخرطوم بأنهم جاؤوا للغناء والاحتفاء بالحياة. وهذا صحيح من حيث حق الناس في الفرح؛ فقد حُرم السودانيون طويلًا من أبسط مظاهر الحياة الطبيعية.
لكن عودة الجمهور إلى الملاعب لا تنفصل عن الكلفة الباهظة التي دفعتها البلاد. ومن حق أسر القتلى والجرحى والنازحين، وكذلك من شاركوا في حماية الأحياء واستعادة قدر من الأمن، أن تُذكر تضحياتهم حين نتحدث عن عودة الحياة إلى المدينة.
الاحتفاء بالحياة هنا ليس موقفًا هامشيًا. إنه تعبير عن رغبة الناس في استعادة مدينتهم، وعن الحاجة إلى حماية هذه العودة حتى لا تكون لحظة عابرة.
رابعًا: الملاعب والاستنفار
طرح الفكي مقارنة بين من ذهبوا إلى الاستاد ومن شاركوا في الاستنفار. غير أن المقارنة بين المشهدين لا تكفي لفهم مواقف السودانيين. فقد استجاب بعضهم لخطر الحرب بالمشاركة في الدفاع، فيما عبّر آخرون عن تمسكهم بالحياة بمحاولة العودة إلى أعمالهم وبيوتهم ومساحاتهم العامة.
والسؤال الأهم اليوم ليس أي المشهدين يمثل الشعب، بل كيف تُحمى حياة المدنيين ويُمنع تجدد القتال. فاستعادة الأمن تتطلب مؤسسات منضبطة، ومساءلة عن الانتهاكات، ومسارًا سياسيًا يتيح للسودانيين الخروج من حالة الحرب.
خاتمة
لا تبدو تصريحات محمد الفكي مجرد نصيحة شخصية للبرهان؛ فهي تفتح نقاشًا عن تحالفات المرحلة المقبلة، وعلاقة الجيش بالقوى المدنية، ومعنى التأييد الشعبي في زمن الحرب. لكن قراءة النيات وحدها لا تكفي. ما يحتاجه السودان الآن مواقف معلنة وخطوات قابلة للمحاسبة، تحفظ أمن الناس وتحوّل عودة الحياة إلى استقرار دائم.
قبل النشر: يُفضّل إرفاق رابط تصريحات محمد الفكي أو تسجيلها، والتحقق من صياغة العبارات المنسوبة إليه حرفيًا، ولا سيما حديثه عن القاعدة الجماهيرية والاستاد والاستنفار.



