حوار خاص | سجى شبانة
كامل الباشا: الفن الحقيقي يجعل صوت المظلوم مسموعًا
هناك أعمال درامية تُشاهَد، وأعمال أخرى تُعاش.
وفي بعض التجارب الفنية تصبح الكاميرا أكثر من مجرد أداة تصوير، لتتحول إلى نافذة على واقع أثقل من الدراما نفسها.
كتبت : سجى سلامة
في مسلسل “أصحاب الأرض” يقترب الفن من الحقيقة إلى درجة يصعب معها الفصل بين ما يُمثَّل وما يُعاش. وهنا يقف الفنان كامل الباشا أمام الكاميرا لا بوصفه ممثلًا يؤدي دورًا فحسب، بل شاهدًا على تاريخ طويل من التجارب الإنسانية التي عاشها الفلسطينيون.
في هذا الحوار مع مراسلين، يتحدث الباشا عن العلاقة بين التمثيل والواقع، وعن الألم حين يتحول إلى رسالة، وعن الطريق الطويل الذي يصنع أداءً صادقًا يتجاوز حدود المهنة ليصبح فعلًا إنسانيًا.
التمثيل كمرآة للواقع
تمثل دورًا أم تعيش الواقع؟
كامل الباشا:
“هو واقع لا ينتهي، وقد لا ينتهي. تؤكده حكايات الأجداد وكتب التاريخ وذكريات الطفولة والشباب والشيخوخة.
ولدت هنا وما زلت باقٍ، محتسبًا على هذه الأرض المقدسة، أؤدي دوري في الحياة أمام الكاميرا بعفوية، طبقًا لسيناريو كُتب مسبقًا.”
الكاميرا شاهد على الألم
هل خفت يومًا أن يكون الألم في العمل أكبر من قدرتك على احتماله كممثل وإنسان؟
الباشا:
“لا. ما نعيشه في فلسطين يوميًا يفوق ما نمثله بدرجات.
نستعيد الألم لحظة التصوير ونبذل جهدنا لنوصله إلى المشاهد.”
حين تتحول الكاميرا إلى شاهد
ما اللحظة التي شعرت فيها أن الكاميرا لم تعد مجرد كاميرا بل شاهدًا على الحقيقة؟
الباشا:
“كل لقطة في هذا المسلسل شاهد على جزء من الحقيقة.
أما الحقيقة كاملة بكل تفاصيلها فهي أقسى من أن يحتملها المشاهد.”
رسالة تختصر الحكاية
لو طُلب منك اختصار رسالة المسلسل بجملة واحدة صادقة جدًا… ماذا تقول؟
الباشا:
“حسبنا الله ونعم الوكيل.”
حياة خارج الشاشة… حين يصبح الموت قريبًا
ليست كل التجارب التي تغذي أداء الممثل تأتي من الخيال أو النصوص، بل أحيانًا تكون الحياة نفسها أكثر قسوة وصدقًا من أي دور مكتوب.
هل هناك شيء في حياتك يشبه هذا الدور أكثر مما يظن الناس؟
الباشا:
“تعرضت لمواقف كثيرة كنت فيها أقرب إلى الموت مني إلى الحياة.
في انتفاضة عام 1987 حاول جندي إجباري على تنظيف الشارع، فرفضت. هددني بالقتل، فقلت له: تستطيع قتلي أو اعتقالي، لكنك لن تستطيع إجباري على فعل ما لا أريد.
وفي حادثة أخرى على أحد الحواجز فقد أحد الجنود السيطرة على نفسه وبدأ بالصراخ بجنون في الناس، فتصدّيت له وكنت على وشك الموت، لكن الله سلّم. وهناك أحداث كثيرة مشابهة يتعرض لها كثيرون مثلي.”
ثمن العمق الفني
ما الثمن الذي دفعته لتصل إلى هذا العمق في الأداء؟
الباشا:
“التمثيل مهنة وعلم. أساسه الموهبة وهي هبة من الله لا يستطيع أحد تفسيرها، لكن تفاصيله وتطوير قدرات الممثل تحتاج إلى جهد كبير واطلاع ودراسة عميقة لعلم النفس وأساليب الأداء ومدارسه.
مارست المسرح لسنوات طويلة في ظروف معقدة لوجستيًا وإنسانيًا واقتصاديًا.
الإصرار على البقاء والاستمرار ليس سهلًا، وقلة من يستطيعون ذلك.
خسرت ماديًا ومعنويًا لسنوات طويلة، لكنني كسبت صقلًا لموهبتي لا يمكن تعويضه، وما زلت أتعلم حتى اليوم.”
الشهرة حين تتغير المعاني
هل الشهرة أنصفتك أم سرقت منك شيئًا لا يُعوّض؟
الباشا:
“في بداية طريقي كانت الشهرة هدفًا، ثم أصبحت خارج حساباتي.”
ما يبقى بعد انطفاء الأضواء
عندما ينتهي التصوير وتُغلق الأضواء، ماذا يبقى معك من الشخصيات التي لعبتها؟
الباشا:
“يبقى معي الكثير من ملامحها ومشاعرها التي تخبو مع مرور الوقت.
أعود تدريجيًا إلى نقطة الصفر: أغيّر قصة شعري، أعود إلى ملابسي المعتادة، وأعتزل الناس فترة قد تطول أو تقصر حسب طبيعة الدور وتأثيره. ثم أعود لنفسي تدريجيًا، مع بعض الإضافات.”
الفن بين الصوت والتغيير
بعد كل هذا الألم الذي جسّدته… هل تؤمن أن الفن قادر على إنصاف المظلومين؟
الباشا:
“الفن قادر على إحداث التغيير تدريجيًا.
الظلم جزء كامن في الطبيعة البشرية؛ نحن نظلم أحيانًا لنحافظ على امتيازات حصلنا عليها بغير حق.
العدل هو ما يصلح الميزان، لكنه يحتاج إلى قوة تواجه عسف الظالمين وتجبرهم على الخضوع.
والفن يجب أن يساهم في بناء تلك القوة بذكاء وروية، وأن يجعل صوت المظلوم مسموعًا، حتى وإن لم يرغب العالم في سماعه.”
خاتمة
في نهاية هذا الحديث يتضح أن كامل الباشا لا يقف أمام الكاميرا كممثل يؤدي دورًا وينتهي الأمر عند انطفاء الأضواء.
ما يقدمه يتجاوز حدود الأداء ليصبح شهادة حيّة على واقع معقّد وذاكرة لا تزال تُكتب كل يوم.
فبين الفن والحقيقة مساحة ضيقة جدًا، وفي هذه المساحة يقف الباشا حاملًا تجربة حياة كاملة، محولًا الألم إلى لغة فنية، والذاكرة إلى صورة، والحكاية إلى رسالة إنسانية.
وربما لهذا يصل أداؤه إلى المشاهد بصدق نادر؛ لأنه لا يمثل حكاية بعيدة عنه، بل يروي جزءًا من حياته… ومن حياة أرضٍ ما زالت قصتها تُكتب.
فالفن الحقيقي لا يكتفي بأن يُرى… بل يترك أثرًا يبقى طويلًا في الوعي والذاكرة.



