بقلم: نسمه العبدالله
ثمانية وسبعون عامًا وأنا أقارع نفسي في لجوئي وشتاتي. مضى من عمري سبعة وعشرون عامًا وتسعة أشهر وثمانية عشر يومًا وأنا أحمل حلمًا واحدًا لا يغيب عن قلبي: العودة إلى بلادي. العودة إلى عكا، قاهرة نابليون، المدينة الجميلة التي لا تخاف أن تسكن شاطئ البحر، والمتغنية بتاريخها العريق الممتد لآلاف السنين. مدينةٌ يأسر جمالها الأنظار بسورها الشامخ وقلعتها العتيقة وخاناتها وأسواقها وتراثها، وبطيبة أهلها الذين تركوا في الذاكرة أثرًا لا يمحى.
ومن بين قرى عكا كانت قريتي، أمّ الفرج، التابعة لقضاء عكا، والتي عُرفت منذ العهد الصليبي. وكيف لي ألّا أعرف تاريخها واقتصادها وحكاياتها التي تناقلها أهلها جيلًا بعد جيل؟ كانت منازلها القديمة متقاربة على شكل دائرة، فيما بُنيت منازل أخرى متفرقة بين البساتين. أما أرضها فكانت سخية، عُرفت بزراعة الحمضيات والموز والتين والزيتون والتوت والرمان، وكأن الطبيعة هناك كانت تتبارى في العطاء.
لكن الاحتلال الصهيوني اجتاح المكان، وبقيت أجزاء مني هناك. دُمّرت القرية بالكامل ولم يبقَ منها شيء يُرى، حتى اسمها تغيّر وأصبحت تُعرف اليوم بمستعمرة “بن عامي”. ورغم أنني لم أمشِ يومًا على تراب فلسطين، ولم أرَ تفاصيل طرقها وقراها بعيني، فإن الشوق إلى زيارتها يسكنني بلا توقف. أحلم بالعودة إلى بلادي، لا كلاجئة تتنقل من مكان إلى آخر، بل كابنة أرض تعود إلى بيتها.
إنها حياة يضربها الشتات والمذلة والمشقة، لكن حلم العودة يظل يجمع شتات الروح ويمنحها سببًا للاستمرار. كلمة “إسرائيل” نفسها ثقيلة على لساني؛ لا أعترف بها وجودًا ولا حتى لفظًا. بالنسبة لي هو كيان صهيوني مغتصب للأرض، عدوٌ دمّر القرى وشرّد أهلها، ومارس القسوة بحق كل من قاومه على هذه الأرض.
جبروت الاحتلال جعل مني لاجئة. قيل لي مرة إنني بلا وطن، ومرة إن الفلسطيني باع أرضه، ومرة أخرى عوملت كغريبة في أماكن اللجوء. لكن الحقيقة التي لا تتغير أن الأرض تعرف أهلها، وأن الذاكرة لا يمكن اقتلاعها كما اقتُلعت البيوت.
أكتب هذه الكلمات وأنا أعلم أن العودة قد لا تكون اليوم أو غدًا، وربما لا بعد سنة أو حتى بعد عقد من العمر. ومع ذلك، يبقى اليقين راسخًا في قلبي بأن بلادي ستعود يومًا ما، وأن الطريق إلى فلسطين، مهما طال، سيظل مفتوحًا في الذاكرة وفي الحلم وفي الإيمان الذي لا ينكسر.



